أمين الفياض
حين جلس بلال داخل سيارة الشرطة، لم يكن ينظر إلى المقود كما يفعل الأطفال عادة، بل كان يكتشفه بيديه. مرر أصابعه الصغيرة فوق عجلة القيادة، وتحسس تفاصيلها في هدوء، قبل أن يبتسم قائلاً بعفوية: “كم هو جميل!”. كانت تلك الكلمات كافية لتبدد، ولو للحظات، أجواء الخوف التي رافقت الطفل المغربي، البالغ من العمر أربع سنوات، منذ اضطر إلى مغادرة منزله مع أسرته هربا من حرائق الغابات التي اجتاحت محيط العاصمة الإسبانية مدريد.
منذ ولادته، لم يعرف بلال العالم بعينيه، بل بيديه وأذنيه. وحين اقتربت النيران من المنطقة التي تقيم فيها أسرته، وجد نفسه، مثل آلاف السكان، يغادر منزله على عجل بحثا عن مكان أكثر أمنا. انتهت رحلة النزوح المؤقتة في مدينة “ألكوبينداس”، حيث كانت العائلة تحاول التأقلم مع واقع فرضته الحرائق، دون أن تتوقع أن يتحول ذلك المكان إلى مسرح لحكاية إنسانية ستتجاوز حدود المدينة.
وصل خبر وجود الطفل إلى عناصر من الشرطة الوطنية، فعرفوا أن لبلال أمنية بسيطة تشبه أحلام كثير من الأطفال، أن يجلس يوما داخل سيارة شرطة. لم يترددوا في تحويل تلك الأمنية إلى واقع. فتحوا له باب السيارة، وساعدوه على الجلوس خلف المقود، ثم تركوا يديه تتعرفان إلى تفاصيل المكان الذي طالما تخيله. تحسس المقود، وصفارات الإنذار، والأضواء، وارتدى السترة الرسمية، بينما كان رجال الشرطة يرافقون كل خطوة بابتسامة وتشجيع، وكأنهم يدركون أن تلك الدقائق القليلة تعني للطفل أكثر بكثير من مجرد جولة داخل مركبة أمنية.
ولم تنته المفاجأة عند هذا الحد. فقد أمسك بلال جهاز اللاسلكي للمرة الأولى، واستمع إلى أصوات رجال الشرطة وهم يبادلونه التحية عبر الجهاز. رد عليهم بصوته الطفولي، فضج المكان بالضحكات، في لحظة بدت وكأنها انتصار صغير على الخوف الذي فرضته الحرائق. لم تكن هناك بطولات استثنائية، بل مبادرة إنسانية بسيطة أعادت إلى طفل نازح شيئا من طمأنينته، وذكّرته بأن الكوارث لا تلغي دائما قدرة البشر على صناعة الفرح.
الشرطة الوطنية رأت أن هذه اللحظة تستحق أن تُروى، فنشرت مقطع الفيديو عبر منصاتها الرسمية، وأرفقته بعبارة مقتضبة، “لقد انتزع منا ابتسامة، وسرق قلوبنا.” ولم يمر وقت طويل حتى انتشر المقطع على نطاق واسع، وتناقل آلاف الإسبان قصة الطفل المغربي، معبرين عن تضامنهم مع أسرته، ومشيدين بالمبادرة التي منحت وجها مختلفا لأخبار الحرائق التي سيطرت على وسائل الإعلام طوال الأيام الماضية.
وتأتي قصة بلال بينما تواصل فرق الإطفاء جهودها للسيطرة على الحرائق التي طالت مدريد و”أفيلا” وطليطلة، بعدما أتت النيران على نحو 77 ألف هكتار من الأراضي، وأجبرت قرابة 90 ألف شخص على الإجلاء أو البقاء في منازلهم، في واحدة من أكبر موجات الحرائق التي شهدتها إسبانيا خلال هذا الصيف. ورغم التحسن التدريجي في الوضع، لا تزال عمليات الإخماد مستمرة لمنع تجدد بؤر النيران والحد من اتساع رقعتها.
وسط مشاهد الدخان والخسائر والنزوح، لم تغير مبادرة رجال الشرطة مسار الحرائق، لكنها غيرت شيئا في يوم طفل لم يرَ النيران، وإن كان قد عاش آثارها بكل تفاصيلها. وبين كارثة أجبرت آلاف العائلات على ترك بيوتها، ولحظة فرح صنعتها أمنية صغيرة، وجدت الإنسانية مساحة لتؤكد أن أكثر المواقف تأثيرا قد تبدأ أحيانا بابتسامة طفل ولمسة يد على مقود سيارة.
























