أمين الفياض
في قرية “تِغَانمِين” من قبيلة بقيوة، سنة 1323هـ، ولد العربي بن الحاج علي بن عمر بن زيان بن حمّو العمارتي، في بيئةٍ ريفيةٍ كان فيها القرآن الكريم أول كتاب، والكتّاب أولَ مدرسة. هناك تشكلت نبرته الداخلية؛ صبر طويل على الحفظ، وإصغاء مبكر لسلطة النص. لم يكن الطفل الذي يتتبع ألواحَه الخشبية يدرك أن الطريق ستقوده بعيدا عن حدود القبيلة، لكن ملامح الرحلة كانت واضحة: شغفٌ بالعلم، وانضباط صارم، وإيمان بأن المعرفة ترحال.
من سيدي “بوسياف” إلى “وادراس”، ثم إلى “جبل حبيب”، كان ينتقل بين الشيوخ كما ينتقل العطِش بين العيون. لازم الشيخ محمد أبا تفاح أكثر من سنتين، ينهل العقيدة والفقه وأدوات العربية، ثم جاور العلامة محمد الأندلسي المشهور، متتلمذا على منهجٍ يجمع بين الرواية والدراية. وحين قصد جامع الزيتونة، دخل فضاء أوسع للدرس، فتلقى عن أعلامٍ كبار، من بينهم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، حتى نال شهادة العالمية سنة 1348هـ. كانت تلك اللحظة تتويجا لسنواتٍ من الصمت المثمر.
عاد إلى الشمال لا بصفة الطالب، بل بوقار العالم. عين قاضيا ب”بني يدر”، فكان يمارس الفقه لا كنصوص محفوظة، بل كميزانٍ للناس. ثم انتقل إلى إدارة الأحباس، فالمشورة الشرعية بنيابة الأمور الوطنية، قبل أن يتدرج في مدارج الحكومة الخليفية كاتبا عاما للصدارة ، ثم وزيرا للأحباس سنة 1374هـ. في تلك المواقع، ظل يحتفظ بهدوء العالم، يزاوج بين دقة الفقيه ومتطلبات الإدارة، دون أن يتخلى عن مرجعيته الأولى.
إلى جانب الوظيفة، بقي الدرس جزءا من يومه. درس بالمعهد الديني الثانوي ثم العالي بتطوان، وأستاذا بكلية أصول الدين التابعة لجامع القرويين. كان حضوره في القسم امتدادا لشخصيته: شرح متأنٍ، وإحالة دقيقة على الأصول، وحرص على أن يكون العلم بناء لا زخرفا. لم يكن خطيبا صاخبا، بل معلما يراكم الأثر بصبر، ويترك لطلابه فسحة السؤال.
في مؤلفاته، من “كتاب أصول الفقه” إلى “الرائد في علم العقائد” و”المنطق التطبيقي”، يتبدى هاجسه بالتأصيل والتقعيد، كما يكشف “المنهال في كفاح أبطال الشمال” عن وعيٍ بتاريخ المجال الذي انحدر منه. وحين توفي صباح الخميس 22 ذي القعدة 1408هـ، ووري الثرى بمقبرة “سيدي “المنظري” بتطوان، كان قد أنهى رحلةً بدأت من كتابٍ صغير، وانتهت عند تخوم الدولة، دون أن تنفصل يوما عن جذورها الأولى، رجل صاغته الألواح، وأكملته المسؤولية































