أمين الفياض
في صباح أمس، رحل عن عالمنا في بيروت الفنان اللبناني أحمد قعبور عن عمرٍ يناهز 70 عاما، بعد مسيرة فنية امتدت أكثر من خمسة عقود. ولد قعبور عام 1955 في العاصمة اللبنانية، ونشأ في بيئة ثرية بالثقافة والفن، ما جعله يتجه منذ شبابه إلى العمل الفني، بداية في التمثيل قبل أن يشرع في الغناء مع فرقة “الكورس الشعبي”. لم يتأخر في أن يرى في الفن وسيلة للتعبير عن الوجع والقضايا الكبرى التي تحيط بالمجتمعات العربية.
في سبعينيات القرن الماضي، ظهر قعبور بشكل لافت عبر أغنية “أناديكم”، التي كتب كلماتها توفيق زياد سنة 1966، حيث منحته شهرة واسعة. لم تكن مجرد أغنية جميلة، بل أصبحت نداء جماعيا ولحنا ثوريا ترددت أصداؤه على مدارج الجامعات والميادين الشعبية في لبنان والعالم العربي. ارتبطت كلماتها بالحالة الوطنية والإنسانية، ما جعلها ترفع في المظاهرات وتُغنى على ألسنة المحتجين قبل المنصات الرسمية.
لم يغب عن مسيرة قعبور التأثر بالقضايا الكبرى في المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. لقد وجد في نضال الشعب الفلسطيني مادة إنسانية متصلة بالألم والحرية، فغنى لها من قلبه، ليس كجمهور عاطفي فقط، بل كفنان يؤمن بأن الفن رسالة. في كثير من المناسبات الثقافية والسياسية، كان صوته يتردد في المعسكرات كما في المهرجانات التضامنية مع فلسطين، وكانت أغانيه تُردد من قبل الجماهير كصوت موحد للمقاومة والكرامة.
كان قعبور، الذي شارك في أعمال سينمائية ومسرحية مع الفنان الراحل زياد الرحباني، وظهر في فيلم عن رسام الكاريكاتور الفلسطيني ناجي العلي، يربط بين الموسيقى والموقف، بين لحنٍ وكلمةٍ تحمل معنى أكبر من مجرد تجربة فردية. في تسجيلاته وأدائه الحي، كان الجمهور يشعر بأنه يسمع صوتا يعبر عن وجع الإنسان العربي ومقاومته. هذا الربط بين الفن والموقف جعل أعماله تستخدم في اللقاءات الشبابية، والأوساط الثقافية، وحتى في الاحتجاجات الشعبية، ما جعل اسمه مرادفًا لصوت المظلومين والمقاومين.
مع رحيله أمس، يخسر المشهد الثقافي العربي صوتا حمل القضية الفلسطينية في أغانيه في لحظات الألم والانكسار، كما في لحظات الأمل والانعتاق. يبقى إرثه الفني، ليس فقط في قوائم الأغاني، بل في لحظات التلاقي بين الإنسان وأمله بالحرية. سيبقى صدى أغانيه “اناديكم” “يا نبض الضفة”، “سموني لاجىء” و”نحنا الناس” يتردد مع كل صوت ينادي بالثبات والعدالة، ومع كل قلبٍ يعتقد أن الفن يمكن أن يكون قوة لا تنسى في رحاب التاريخ والذاكرة الجماعية































