أمين الفياض
في الريف، حيث تتعانق قسوة الجبال مع اتساع البحر، ولد عبد السلام الخمليشي يوم 16 مارس 1948، كأن القدر كان يهيئ منذ البدء مسارا لا يشبه المألوف. لم يكن الطفل الذي فتح عينيه على زرقة الحسيمة مجرد عابر في زمن عادي، بل كان يحمل في داخله ذلك القلق النبيل الذي يدفع الإنسان إلى مساءلة الجسد، إلى الإنصات لنبضه، وإلى تفكيك صمته كما لو كان نصا معقدا يحتاج إلى قارئ استثنائي. منذ خطواته الأولى في التعلم، بدا واضحا أن المعرفة لديه ليست تراكما، بل انخراطا في مغامرة، وأن الجسد البشري لن يكون بالنسبة إليه مادة دراسية، بل أفقا فلسفيا تتقاطع فيه الحياة مع الهشاشة.
بين جامعة محمد الخامس وأروقة المستشفيات، تشكلت ملامح عالم لا يرضى بالجاهز، ولا يكتفي بما تمنحه الكتب. هناك، حيث تختلط رائحة الأدوية بصمت القلق الإنساني، تعلم أن كل حالة ليست مجرد ملف، بل حكاية كاملة، وأن كل مريض يحمل عالما مهددا بالانهيار. لم يكن طالبًا يكرر النظريات، بل شاهدا على معارك يومية يخوضها الجسد ضد المرض، وعلى اختلالات منظومة تحتاج إلى من يعيد ترتيبها. من رحم تلك التجربة، ولد فيه ذلك الإصرار الهادئ، أن يكون الطب أكثر من تقنية، وأن يستطيع فعلا أن يعيد للإنسان توازنه المفقود بين الألم والرجاء.
لم يتوقف البروفيسور عبد السلام الخمليشي عند حدود الممارسة الجراحية، بل انخرط في مشروع أوسع، مشروع يعيد صياغة معنى المستشفى في المغرب. سنة 1989، أسس مؤسسة الحسن الثاني للوقاية من أمراض الجهاز العصبي ومكافحتها، واضعا لبنة جديدة في صرح طب الأعصاب، حيث لا يكون العلاج امتيازا بل حقا. ومع إدخال أول جهاز للرنين المغناطيسي سنة 1994، لم يكن الأمر مجرد تحديث تقني، بل كان إعلانا عن تحول عميق، انتقال الطب المغربي من حدود الممكن إلى آفاق الضرورة العلمية.
ثم جاء المركز الوطني للعلوم الأعصاب، الذي تبلور بين 2001 و2008، ليصبح فضاء تتقاطع فيه المعرفة مع التجربة، والعلم مع الإنسان، في انسجام نادر داخل منظومة صحية كانت في أمس الحاجة إلى هذا النفس التجديدي. غير أن أفقه لم يكن وطنيا فقط، بل كان ممتدا بعمق القارة الإفريقية، حيث أدرك أن المعرفة التي لا تتقاسم تفقد معناها. على مدى أكثر من عشرين سنة، أطلق برنامجا تكوينيا فتح أبوابه لأطباء شباب من مختلف البلدان الإفريقية، فكون أكثر من مائة جراح من تسع عشرة دولة.
لم يكن يلقنهم تقنيات الجراحة فحسب، بل كان يغرس فيهم أخلاقيات المهنة، ذلك الحس الإنساني الذي يجعل من الطبيب شاهدا لا على المرض فقط، بل على كرامة الإنسان أيضا. وهكذا تحولت جامعة محمد الخامس إلى نقطة إشعاع، لا تصدر المعرفة فحسب، بل تبني جسورا بين العقول، وتؤسس لشبكة إفريقية قادرة على مواجهة تحديات طب الأعصاب بروح جماعية. ورغم غزارة إنتاجه العلمي، بأكثر من 150 مقالة ومساهمات وازنة في محافل دولية، ظل عبد السلام الخمليشي وفيا لذلك الجوهر البسيط، أن الطب، في جوهره، فعل رحمة.
لم تكن إنجازاته أرقاما تحصى، بل كانت مواقف تعاش، حيث يصبح الحضور الإنساني في غرفة العلاج أعمق من أي جهاز، وأبلغ من أي شهادة. كان يدرك أن الجراحة ليست فقط مهارة تقنية، بل مسؤولية أخلاقية، وأن إعادة ترميم الجسد تعني، في عمقها، إعادة ترميم العالم الداخلي للمريض. هكذا، حين يستعاد اسمه في ذاكرة الطب المغربي والإفريقي، لا يستعاد كجراح فحسب، بل كصوت أعاد تعريف العلاقة بين العلم والإنسان.
في قاعات العمليات كما في مدرجات التدريس، كان حضور البروفيسور عبد السلام الخمليشي حادا وواضحا، لكنه مشبع بتلك الرحمة التي لا تدرس في الكتب. لقد فهم أن الجسد، حين ينهار، لا يحتاج فقط إلى يد تصلحه، بل إلى روح تعيد إليه معنى الاستمرار. ولذلك سيبقى أثره ممتدا، لا في الأجهزة التي أُدخلت، ولا في المراكز التي أُنشئت، بل في تلك القلوب التي تعلمت أن تجعل من العلم فعل إنصاف، ومن الطب لغة تنقذ الإنسان من صمته.
امتدت مسيرة البروفيسور الخمليشي إلى فضاءات العلم العالمية، حيث انتخب عضوا مشاركا في الأكاديمية الوطنية الفرنسية للجراحة والممارسات الجراحية المبتكرة، كما انتخب رئيسا شرفيا مدى الحياة بالفدرالية العالمية لجمعيات جراحي الدماغ والاعصاب، وذلك بعد أن تولى داخلها مهام قيادية، من النائب الثاني للرئيس إلى تنسيق اللجان العلمية، وشغل أيضا مهام مندوب عن الجمعية المغربية لجراحة الدماغ والأعصاب لدى اللجنة التنفيذية للفيدرالية، ليصبح صوته مؤثرًا في رسم معالم البحث العلمي، وتجميع خبرات الأطباء والجراحين من مختلف بقاع العالم.
وعلى مدى هذه المسيرة، ترأس البروفيسور عبد السلام الخمليشي المؤتمر العالمي لجراحة الدماغ والأعصاب الذي جمع نخبة من الخبراء، وتوج جهوده بحصوله على جائزة المؤسسة الدولية للبحث في علوم الدماغ والأعصاب، تقديرا لإسهاماته الرائدة ومكانته المرموقة في العلوم العصبية والجراحة، مؤكدًا أن أثره يمتد إلى ما هو أبعد من حدود المغرب، ليترك بصمة دائمة في عالم طب الدماغ والأعصاب على المستوى العالمي.































