أمين الفياض
بقبيلة تمسمان، وتحديدا بجماعة “تروكوت” بإقليم الدريوش، وعلى مقربة من الطريق الساحلي الذي يربط الحسيمة بالناظور، تنتصب دار ومحكمة محمد بن عبد الكريم الخطابي باعتبارها واحدة من أبرز المعالم التاريخية المرتبطة بالمقاومة الريفية ضد الاستعمار الإسباني. ولا تحضر هذه البناية في الذاكرة لقدمها أو لطرازها المعماري فقط، بل لأنها احتضنت جانبا من التجربة التنظيمية التي قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي خلال عشرينيات القرن الماضي، حين تحولت إلى فضاء لإدارة شؤون المقاومة، وتنظيم القضاء، وتدبير الحياة اليومية في المناطق التي كانت خارج نفوذ الاحتلال.
اختيار “تروكوت” لم يكن اعتباطيا، فموقعها داخل المجال التاريخي لقبيلة تمسمان، وقربها من مسارات التحرك بين القبائل وجبهات القتال، منحها أهمية استراتيجية جعلتها مؤهلة لاحتضان إحدى أهم البنايات الإدارية للمقاومة. وقد شيدت الدار وفق الهندسة المحلية، باستعمال الحجر والتراب والأخشاب والمواد المتوفرة بالمنطقة، فجاءت بسيطة في مظهرها، لكنها عملية في تصميمها، وقادرة على الاستجابة لمتطلبات مرحلة كانت تفرض السرعة في الحركة، والقدرة على التدبير، وتأمين المقرات من الأخطار المحيطة.
ومن بين الوظائف التي منحت المعلمة مكانتها التاريخية، احتضانها للمحكمة التي ارتبط اسمها بالبناية. فقد سعى محمد بن عبد الكريم الخطابي، إلى جانب قيادته للمعارك، إلى إرساء جهاز قضائي ينظم العلاقات داخل المجتمع الريفي، ويحد من النزاعات التي كانت تستنزف القبائل. ومن هذا المقر كان يفصل في الخصومات، ويعين القضاة والقياد، ويعمل على تعويض منطق الثأر والانتقام بمنطق القضاء والاحتكام إلى القانون، بما يعزز الأمن الداخلي ويوحد الصفوف في مواجهة الاستعمار الإسباني.
ولم تكن المحكمة معزولة عن بقية مؤسسات المقاومة، بل شكلت جزءا من تنظيم إداري اعتمد تقسيم المجال إلى عدد من الوحدات الإدارية والعسكرية عرفت باسم “المحاكم”. وكانت محكمة “تروكوت” تضطلع بالإشراف على مجال واسع من قبائل الريف، فتتابع أوضاعها، وتنسق بينها، وتحرص على تنفيذ القرارات، وهو ما منحها دورا يتجاوز الفصل في المنازعات إلى المساهمة في تدبير الشأن العام داخل مناطق المقاومة.
كما أدت محكمة الخطابي وظائف إدارية وعسكرية متكاملة، إذ احتضنت اجتماعات قادة المقاومة، واستقبلت الوفود، وأديرت من داخلها المراسلات، ونسقت عبرها تحركات المقاتلين، إضافة إلى متابعة توزيع المؤن والإمدادات الضرورية للجبهات. ولذلك لم تكن البناية مقرا إداريا بالمعنى الضيق، بل مركزا لتسيير جانب مهم من شؤون المقاومة، يجمع بين القيادة والتنظيم والتواصل، في مرحلة كانت تتطلب سرعة القرار ودقة التنسيق بين مختلف القبائل.
وعلى المستوى المعماري، ما تزال البناية تحتفظ بجزء من ملامحها الأصلية، رغم ما أصابها من تآكل بفعل الزمن. ويعكس تصميمها فلسفة البناء الريفي في تلك المرحلة، حيث غلبت البساطة والوظيفية على العناصر الزخرفية، فجاءت مكوناتها منسجمة مع طبيعة المجال ومتطلبات الاستعمال اليومي. ولذلك لا تقتصر قيمة المعلمة على بعدها التاريخي، بل تمتد إلى كونها شاهدا على نمط من العمارة المحلية التي ارتبطت بظروف المقاومة ومستلزمات الإدارة في زمن الحرب.
وبعد انتهاء حرب الريف سنة 1926، تعرضت هذه المعلمة، شأنها شأن عدد من المواقع المرتبطة بالمقاومة الريفية، للإهمال، كما فقدت أجزاء من مكوناتها بفعل التقادم والعوامل الطبيعية، بينما اختفت معالم أخرى كانت تؤرخ للتجربة نفسها. ومع مرور العقود، بقيت محكمة الخطابي حاضرة في الذاكرة المحلية، لكنها ظلت في حاجة إلى حماية قانونية تحول دون اندثار ما تبقى منها، وتحفظ قيمتها التاريخية للأجيال المقبلة.
وشكل قرار وزارة الشباب والثقافة والتواصل، الصادر في يوليوز 2026، بتقييد دار ومحكمة الخطابي ضمن عداد الآثار الوطنية، محطة جديدة في مسار صون هذا الموروث التاريخي. فالقرار لا يقتصر على توفير الحماية القانونية للمبنى، بل يفتح المجال أمام ترميمه وتثمينه وإدماجه ضمن مسارات الذاكرة التاريخية بالريف، إلى جانب معلمين آخرين شملهما القرار نفسه، هما بناية “لا كومبانيا” بتزاغين، ومعسكر “تلامغيت” بجماعة “تسافت”. وبهذا التقييد، تستعيد محكمة الخطابي مكانتها كواحدة من أهم الشواهد التي تحفظ ذاكرة المقاومة الريفية، وتروي للأجيال قصة مكان لم يكن شاهدا على التاريخ فحسب، بل كان أحد الفضاءات التي صنعت داخله أحداثه.






























