الغبزوري السكناوي
تقف دار النيابة في قلب المدينة العتيقة لطنجة كرمز حي للذاكرة الدبلوماسية، حيث تتشابك الجدران الحجرية والسقوف الخشبية في حكاية المدينة وتاريخها الممتد، فتبدو كل زاوية وكأنها تحفظ صوت الاجتماعات والمراسلات التي شهدتها بين ممثلي السلطان والقوى الأجنبية، وتدعو الزائر إلى استشعار عبق الماضي، حيث السياسة والفن يلتقيان في انسجام بين الوظيفة الرسمية والجمال المعماري الذي يزين المبنى ويعكس أهمية المكان عبر العصور، مع إبراز دور الدار في التنسيق مع القناصل.
كانت الدار، التي تقع بزنقة الصباغين، مركز ديوان النائب، ممثل السلطان، حيث جرت المفاوضات والتنسيق مع الجاليات الأجنبية في طنجة خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فتتنقل الأحداث السياسية بين الحجر والخشب، ويصبح المكان شاهدا على تلاقح الثقافات وصراع المصالح في المدينة، فيما تحافظ الزوايا والردهات على الصمت العميق الذي يتيح للزائر الانغماس في تفاصيل الماضي واستشعار حضور القوى التي شكلت مصير المدينة والمغرب، مع إدراج أسماء بعض القناصل والبعثات التي استخدمت المبنى.
تحمل جدران دار النيابة، التي تأسست 1860 في عهد السلطان، عبد الرحمن بن هشام، تفاصيل كل عصر عاشه المبنى، فهي ليست مجرد حجر أو سقف، بل شبكة متقنة من المكاتب والقاعات التي تنقل الزائر بين لقاءات رسمية ومراسلات دبلوماسية، فتتجلى الوظيفة العملية مع الجمالية في تصميم المكان، وتصبح كل نافذة وشرفة شاهدة على دينامية المدينة وعلاقاتها المتشابكة، ما يجعل الزائر يشعر بأنه يشارك في سرد حي للتاريخ من خلال تنقله بين أروقته، وليس مجرد مشاهدته للمبنى من الخارج، ويستذكر بعض الاجتماعات التاريخية التي شهدتها دار النيابة.
بعد عقود من الإهمال، خضعت دار النيابة للترميم وأُعيد افتتاحها كمتحف تحت اسم متحف دار النيابة – بيت الفنان، ليصبح المكان، تحت إشراف المؤسسة الوطنية للمتاحف، فضاء ثقافيا يروي تاريخ المدينة بأسلوب حي وجاذب، ويعرض المعروضات التي تجمع بين الوثائق الدبلوماسية والفن التشكيلي، فتتجلى العلاقة بين السياسة والفن في المكان نفسه، ويشعر الزائر بأن المبنى يربط بين الحاضر والماضي بطريقة تعكس أهميته الثقافية والمعمارية والاجتماعية، مع عرض بعض الوثائق المرممة التي توثق دور “النائب”.
اليوم يقف الزائر أمام دار النيابة متأملا جدرانها ومساحاتها المظللة، فيدرك أن المكان ليس مجرد مبنى، بل ذاكرة حيّة تحاكي عبور الزمن وتفاعل الأجيال مع المدينة، فتتجلى فيه قيم الثقافة والتاريخ والتعددية، ويصبح المكان جسرا بين الماضي والحاضر، وبين السياسة والفن، وبين سرد الأحداث والذاكرة الحية، فتظل دار النيابة رمزا خالدا لتاريخ طنجة ووعيها الحضاري، مع ذكر أهم الأسماء والأحداث التاريخية المرتبطة بالمبنى.






























