الغبزوري السكناوي
حين تأسست “دار الصنائع والفنون الوطنية” سنة 1919، لم تكن مجرد مدرسة للحرف، بل تعبيرا عن وعي ثقافي تشكّل داخل المجمع العلمي بتطوان. كان عبد السلام بنونة وأحمد الرهوني ومن معهم يدركون أن صون الحرفة هو صون لطبقة عميقة من الهوية المغربية الأندلسية، في زمن كانت فيه أسئلة الوطنية تتخذ أشكالا متعددة، من التعليم إلى الطباعة إلى الفنون.
يسميها أهل المدينة “دار الصنعة”، اختصارا يحيل إلى الألفة أكثر مما يحيل إلى الرسمية. مر أكثر من قرن على انطلاقتها، لكنها ما تزال تحتفظ بوظيفتها الأصلية: نقل المهارة بوصفها معرفة. فكما أسهم بنونة في تأسيس المدرسة الأهلية سنة 1925 والمطبعة المهدية، كانت الصنائع جزءا من مشروع أوسع يرى في الثقافة بنية مقاومة وبناء في آن.
داخل المبنى، تتوزع الذاكرة على ثلاثة طوابق، كأنها طبقات زمنية متراكبة. أروقة العرض الدائمة لا تقدم منتجات فحسب، بل تعرض مسارات تعلّم طويلة، تتجاور فيها القطع الحرفية مع الجوائز وشهادات التقدير. هنا، يصبح العرض امتدادا للورشة، وتغدو القطعة المنجزة وثيقة حية عن علاقة اليد بالتاريخ.
في المحترفات، تدرس الزخرفة والنقش على الخشب والجبس، والتطريز، والنجارة، والزليج الذي يشكّل أحد أبرز وجوه الفن الإسلامي في شمال المغرب. تتكون لوحاته من وحدات هندسية صغيرة متراصة داخل الجص، في بناء بصري دقيق لا يحتمل الخطأ. التعلم هنا لا يقوم على التلقين، بل على التكرار والصبر والإنصات للمادة.
منذ عام 1930، تولى الفنان الإسباني “ماريانو بيرتوتشي” إدارة المدرسة حتى الاستقلال. في عهده، شارك طلابها في معارض بإسبانيا، خاصة في مدنها الأندلسية، ومنها معرض إشبيلية الدولي سنة 1929. هذا الامتداد الخارجي منح المؤسسة إشعاعا لافتا، لكنه خلق لاحقا لبسا حول نشأتها، رغم أن مبادرتها الأولى كانت محلية ووطنية.
بعد الاستقلال، عاشت “الصنائع” مرحلة فراغ إداري استمرت إلى منتصف السبعينيات، قبل أن تبدأ وزارة الثقافة الإشراف عليها. غير أن هذا التحول المؤسسي لم يقطع الخيط بين الأجيال. فقد استمرت الورشات في العمل، وظل انتقال المهارة قائما، في مدينة أُدرجت لاحقا ضمن قائمة التراث الإنساني، اعترافا بقيمتها العمرانية والثقافية.
اليوم، تضم المدرسة أكثر من مئة طالب موزعين على ثمانية محترفات، يشرف عليها متخصصون في الخشب المنقوش والمطعم، والحدادة، والخزف والزليج، والجبس المنقوش، والطرز التطواني المعروف بـ”التعجيرة”. التكوين ينتهي بدبلوم يفتح أبواب الاحتراف، ويمنح الحرفة إطارا مؤسسيا يحميها من الذوبان في التحولات السريعة.
ضمن الفضاء نفسه، يحمل رواق “بيرتوتشي” اسمه كشاهد على مرحلة تاريخية، بينما يستحضر الفضاء المتحفي اسم الحاج عبد السلام بنونة، في تثبيت لذاكرة التأسيس. كما يشكل فضاء سيدي المنظري للفن والتراث، المحدث في إطار تعاون مع جهة الأندلس، علامة على أن الصنائع لا تنغلق على ماضيها، بل تعيد تعريف حضورها.
ومع ذلك، لا تخلو الصورة من تحديات. فالإقبال على بعض المحترفات يشهد تراجعا، في زمن تتغير فيه أولويات الشباب ومساراتهم المهنية. غير أن “الصنائع” تظل تقاوم هذا التراجع بالاستمرار، متمسكة بفكرة أن الحرفة ليست مجرد مهارة اقتصادية، بل شكل من أشكال المعرفة العميقة بالمكان.
في مدرسة “الصنائع”، لا يختزل التراث في واجهة للعرض، ولا يختصر في خطاب احتفالي. إنه يتشكل يوميا في ورشة، في قطعة زليج، في نقش على خشب. هكذا تبقى المؤسسة، بعد أكثر من مئة عام، مساحة يلتقي فيها التاريخ بالممارسة، وتتحول فيها الذاكرة من فكرة مجردة إلى أثر ملموس بين يدي المتعلمين.





























