الغبزوري السكناوي
لا تبدو كتامة اليوم سوى قرية جبلية هادئة. لكن، في ستينيات القرن الماضي، كانت شيئا آخر تماما، نقطة جذب خفية على خريطة العالم. هنا، كان يصل القادمون من بعيد كما لو أنهم يعرفون الطريق سلفا؛ شبان بشعور طويلة، موسيقيون، ووجوه تبحث عن شيء لا تسميه. لم تكن الرحلة إلى كتامة مجرد انتقال جغرافي، بل خروجا ناعما من عالم إلى آخر، حيث تتبدل الإيقاعات وتخفّ صرامة الزمن، وتصبح التفاصيل الصغيرة اليومية جزءا من تجربة أكبر وأكثر عمقا في المكان.
سرعان ما التقطت الصحافة العالمية هذا التحول. مراسلون من صحف كبرى مثل “الغارديان”، “نيويورك تايمز” و”الواشنطن بوست” لم يأتوا فقط لنقل الخبر، بل لمحاولة فهم ما يحدث. صور لفنانين غربيين يجلسون في مقاهٍ بسيطة، مثل “الحافة” و”بابا” وفندق المنزه، دخان يتصاعد ببطء، وحديث طويل بلا استعجال. هكذا بدأت كتامة تتشكل في المخيال الغربي، مكانا يختلط فيه الفضول بالحرية، وتبدو فيه التجربة مفتوحة على احتمالات متعددة، حيث كل زاوية وكل لحظة تحمل إحساسا جديدا مختلفا عن المكان المألوف للزائرين.
في تلك الأجواء، مرت أسماء لم تكن عابرة تماما، حتى وإن ظلت بعض تفاصيلها معلقة بين الواقع والرواية. “براين جونز” كان من بين الذين وصلوا إلى هذه الجبال وتركوا حضورا خفيفا في تفاصيل المكان. أما “جيمي هاندريكس”، فقد ارتبط اسمه بكتامة عبر ما راج في الصحافة أكثر مما ثبت بشكل قاطع. وبالمثل، يشاع أن شقيقة “جيمي كارتر” مرت من هناك، دون تأكيد واضح. فيما ظل “بوب مارلي” مرتبطا بصورة مختلفة، إذ كان يظهر في حفلاته ممسكا بلفافات الحشيش، ما عزز صلة رمزية بين تجربته وذلك العالم.
كما ارتبطت لاحقا أسماء من عالم السياسة، الكتابة، الرحلة والإعلام بتجارب مشابهة، دون أن يكون حضورها دائما مؤكدا بقدر ما كان متداولا في السرديات والذاكرة. لم تكن المسألة بحثا عن ضجيج الشهرة، بل انجذابا إلى إيقاع حياة مختلف، حيث تصبح الأيام أقل صرامة، ويغدو العيش أقرب إلى تجربة مفتوحة تتشكل دون تخطيط مسبق، وتترك للزائر حرية تلمس تفاصيل المكان واستيعاب إحساسه بهدوء وعمق، كما لو أنه يعيد اكتشاف ذاته عبر المكان وفي مساراته اليومية العابرة.
لم تكن كتامة وحدها في هذه الصورة، بل امتدت الخيوط نحوها من طنجة، القصر الكبير، العرائش والصويرة، حيث المقاهي المطلة على البحر وحكايات رواة وكتاب مثل محمد شكري، محمد المرابط والشرادي، والروائي الأمريكي “وليم بوروز”. هناك، تداخلت الكتابة بالحياة اليومية، وصار الواقع نفسه مادة للسرد. ما حدث لم يكن نتيجة تخطيط واضح، بل تراكم بطيء لتفاصيل صغيرة صنعت جاذبية خاصة، جعلت المكان حاضرا في الذاكرة دون أن يتحول إلى وجهة مستهلكة، بل احتفظ بسحره الخفي الذي يلامس كل من يمر عبره دون صخب.
اليوم، يصعب استعادة تلك اللحظة كما كانت، لكنها لم تختفِ بالكامل. ما بقي ليس الحركة نفسها، بل أثرها الخافت في الإيقاع العام للمكان. كتامة لا تقدم نفسها كحكاية مكتملة، بل كإشارة مفتوحة على ما كان ممكنا. التفاصيل هنا لا تشرح نفسها، بل تلمح فقط، صمت ممتد، زمن أبطأ، وإحساس بأن شيئا ما مر من هنا وترك ظله، دون أن يترك أثرا يمكن القبض عليه بسهولة، بل يظل يلمس الذاكرة ويبعث الحنين دون أن يعرف الزائر مصدره.
صورة للفنان “كيث ريتشاردز”































