ما إن أعلنت إحدى الجمعيات عن تنظيم سلسلة من الأنشطة بدار الثقافة الأمير مولاي الحسن، الحسيمة، نهاية هذا الأسبوع، حتى تحول الإعلان إلى جدل واسع بين عدد من المهتمين والمتتبعين للشأن الثقافي، حيث انقسمت الآراء بين من اعتبر الأمر نشاطا جمعويا عاديا يندرج ضمن الاستعمال القانوني للفضاءات العمومية، ومن رأى فيه حدثا يثير تساؤلات تتجاوز النشاط في حد ذاته إلى الجهة المنظمة وخلفياتها.
ولم تكن طبيعة الأنشطة هي التي قادت هذا الجدل، بقدر ما انصب النقاش حول هوية الجمعية المنظمة، التي اعتبر عدد من المتتبعين أنها تسجل، لأول مرة، حضورا داخل فضاء ثقافي عمومي بالإقليم، بعدما ارتبطت أنشطتها، خلال الفترة الماضية، بفضاءات خاصة ولقاءات ذات طابع محدود، وهو ما منح هذه المبادرة أبعادا تتجاوز ما هو تنظيمي.
ويذهب عدد من المهتمين بالشأن الثقافي إلى أن الجهة المنظمة غالبا ما تصنف ضمن التيار السلفي المدخلي، وهو ما نقل النقاش من مضمون هذا النشاط الجمعوي إلى سؤال أوسع حول طبيعة حضور هذا التيار داخل مؤسسة ثقافية عمومية تابعة لوزارة الشباب والثقافة والتواصل، وما إذا كان الأمر يتعلق بمجرد استعمال عادي لفضاء عمومي، أم بمؤشر على تحولات أوسع في أنماط الحضور داخل المجال العمومي.
ويستند هذا الطرح إلى معطيات يوردها باحثون في الحركات الإسلامية، تفيد بأن التيار السلفي المدخلي عرف خلال السنوات الأخيرة حضورا متزايدا بالريف، وذلك بعد أكثر من عقد على بداية انتشاره اللافت بالمنطقة، غير أن أنشطته ظلت، في معظمها، مرتبطة بفضاءات دعوية خاصة، وهو ما جعل الإعلان عن احتضان دار الثقافة لهذه المحاضرات يلفت الانتباه أكثر إلى طبيعة الفضاء المحتضن للنشاط منه إلى النشاط نفسه.
ومن هذا المنطلق، يرى عدد من المهتمين بالشأن الثقافي المحلي أن النقاش يتجاوز حالة بعينها، ليطرح أسئلة مرتبطة بكيفية تدبير الفضاءات الثقافية العمومية، وحدود انفتاحها على مختلف المبادرات الجمعوية، ومدى خضوع ذلك لمعايير قانونية وتنظيمية موحدة، بصرف النظر عن المرجعيات الفكرية أو الدعوية للجهات المنظمة.
وتزداد حساسية هذا النقاش بالنظر إلى خصوصية الحقل الديني بالمغرب، المؤطر بثوابت دستورية ومؤسسات دينية رسمية، وهو ما جعل الجدل ينتقل بقوة من مضمون النشاط إلى طبيعة الفضاء الذي يحتضنه، ومن هوية الجهة المنظمة إلى حدود التداخل بين المجالين الثقافي الرسمي والدعوي، وهي أسئلة تفرضها طبيعة المرحلة أكثر من أي وقت مضى.
وفي المقابل، يرى آخرون أن الجدل اخذ حجما لا يستحقه الحدث، باعتبار أن الأمر يتعلق بنشاط جمعوي يفترض أنه استوفى جميع المساطر القانونية المؤطرة لاستعمال القاعات العمومية، وأن الترخيص باحتضان دار الثقافة له لا يعني بالضرورة وجود تحول في اسياسة الوزارة. غير أن هذا الجدل، في المقابل، يكشف حجم الحساسية التي ما تزال تحيط بحضور بعض التيارات الإسلامية السلفية داخل الفضاءات الثقافية والإعلامية، ويعكس اتساع النقاش العمومي حول حدود العلاقة بين المجالين الثقافي والدعوي.































