الغبزوري السكناوي
على تخوم المتوسط، في الجهة الشرقية من مركز طنجة، تقف “فيلا هاريس” كأنها شرفة معلقة بين زمنين. ليست مجرد بناية بيضاء تطل على البحر، بل سردية معمارية تختصر سيرة مدينة كانت دوما أكبر من جغرافيتها. من مالاباطا، حيث يتعانق الأفق مع الضوء، تبدأ الحكاية؛ حكاية معلمةٍ رأت طنجة وهي تعبر من طور إلى طور، ومن هوية إلى أخرى، دون أن تفقد سرّها الأول.
تعود جذور “الفيلا” إلى نهاية القرن التاسع عشر، حين اختار الصحافي البريطاني “والتر بيرتون هاريس” أن يجعل من طنجة مقاما دائما له. مراسل صحيفة The Times لم يكن مجرد شاهد على الأحداث، بل كان جزءا من نسيجها. ومن هنا، لم تكن “الفيلا” بيتا خاصا فحسب، بل فضاءً تتقاطع فيه الأخبار مع التحليلات، وتلتقي فيه الدبلوماسية بالفضول الصحافي. هكذا امتزج الخاص بالعام، وتحولت الجدران إلى ذاكرة صامتة لمرحلة دقيقة من تاريخ المغرب.
ومع تعاقب السنوات، تبدلت الأدوار كما تتبدل الفصول. غادر “هاريس”، وبقي المكان ينتظر معنى جديدا. تحولت الفيلا إلى فضاء ترفيهي، ثم إلى عنوان لنشاط سياحي، قبل أن يطالها الإهمال. غير أن هذا الانطفاء لم يكن نهاية، بل كان فاصلة في نص أطول. فالمعالم الكبرى لا تموت، بل تدخل في هدنة مع الزمن، إلى أن تستعيد صوتها من جديد.
ذلك الصوت عاد في 16 مارس 2021، حين فتحت أبواب “الفيلا” كمتحف للفنون. هنا يبدأ فصل مختلف، لكنه متصل بما سبقه. فإذا كان الماضي قد كتب سطور “الفيلا” بالحبر السياسي والدبلوماسي، فإن الحاضر يكتبها بالألوان واللوحات. تحولت القاعات إلى فضاء عرض، وصار الضوء الذي كان يرافق النقاشات القديمة يرافق اليوم تأملات الزوار أمام الأعمال الفنية. الاستمرارية هنا ليست في الوظيفة، بل في الروح.
وما يمنح هذا التحول عمقه هو أن الفيلا لم تُنتزع من سياقها، بل أُعيد إدماجها في حياة المدينة. الحدائق التي كانت تحيط بها كإطار خاص، صارت اليوم متنفسًا عامًا. العائلات التي تمر بين الأشجار، والشباب الذين يلتقطون الصور، ينسجون علاقة جديدة بالمكان. وهكذا، لم يعد التاريخ معلقًا في الماضي، بل صار جزءًا من يوميٍّ يتجدد باستمرار.
من هنا، تبدو “فيلا هاريس” أكثر من معلمة تراثية؛ إنها استعارة لطنجة ذاتها. مدينة عرفت التحولات السياسية، وتعدد اللغات، وتغير الوجوه، لكنها ظلت وفية لبحرها ولانفتاحها. الفيلا تختصر هذا المسار، من بيت صحافي أجنبي إلى فضاء ثقافي مغربي مفتوح على الجميع وللجميع. إنها رحلة من الخصوصية إلى العمومية، ومن السرد الفردي إلى الذاكرة الجماعية.
ولأن لكل معلمة روحا، فإن روح “فيلا هاريس” تكمن في قدرتها على الربط بين الأزمنة. بين خبر كان يكتب ليصل إلى لندن، ولوحة تُعرض اليوم ليتأملها زائر من طنجة أو من بعيد. بين همس السياسة قديما وصمت الفن الآن. في هذا الربط تحديدا، تتجلى قيمة المكان، ليس كمبنى محفوظ، بل كجسر حيّ بين الذاكرة والحاضر.
“فيلا هاريس” لا تختم الحكاية عند حدود الذاكرة التاريخية فحسب، بل تمنحها امتدادا حيا في الحاضر عبر مجموعتها الفنية التي تجسد روح القرن العشرين وبدايات الحداثة في المغرب والعالم. داخل جدران المتحف، يلتقي الزائر بلوحات “فرانك تابيرو” و”جاك ماجوريل” و”كلاوديو برافو” و”إيدي ليجراند”، إلى جانب أعمال علي الرباطي ومحمد السرغيني والجيلالي الغرباوي وفاطمة حسن ومحمد حمري وفريد بلكاهية
هذا الامتزاج بين الذاكرة التاريخية والتجربة الفنية يجعل من “الفيلا” أكثر من مكان محفوظ في الزمان؛ إنها مؤسسة ثقافية تعيد قراءة الماضي وتؤسس لخطاب بصري معاصر. المشي بين قاعاتها يشبه قراءة فصلٍ من التاريخ المغيب والمكتوب، حيث يلتقي خبر الصحافة والدبلوماسية مع همّ الريشة وتناغم الألوان. هكذا تتحول الجدران إلى محاور تواصل بين الأجيال، والحدائق إلى فضاءات للتأمل والاسترجاع، والبحر في الخلفية إلى شاهدٍ دائم على استمرار الحكاية.
وبينما يعبر الزائر من فضاء إلى آخر، يدرك أن “فيلا هاريس” ليست مجرد معلمٍة، ولا مجرد متحف للفنون الجميلة، بل هي جسر بين الماضي والحاضر، بين ذاكرة المكان ومساءلة الفن، بين خبرة التاريخ ورؤية الإبداع. وحيث يلتقي البحر بالأفق، يبدو أن الحكاية لم تنتهِ؛ فكما ظل المتوسط شاهدا على تحولات طنجة، تظل “الفيلا” شاهدة على أن الذاكرة، حين تصان وتغذى، تتحول إلى قوة حياة وثقافة وإبداع.































