الغبزوري السكناوي
في حي باب العقلة العتيق بمدينة تطوان، تقف الخزانة الداودية كمعلمة ثقافية حية، إذ أسسها المؤرخ محمد داود لتكون رصيدا دائما من المعرفة، كما تضم المكتبة الكتب والمخطوطات والوثائق والأرشيف الصحفي الذي يعكس نبض المدينة والحياة الفكرية والسياسية فيها عبر عقود من الزمن، لذلك أصبحت مركزا للاطلاع والبحث، كما احتضنت الباحثين والطلاب والأساتذة من المغرب وخارجه.
ومن هذا المنطلق، فتحت المكتبة أبوابها سنة 1986 أمام العموم، فصار الزائر يجد نفسه أمام رفوف تحتوي كتبا مطبوعة ومخطوطات نادرة ومجلات وصحفًا ووثائق تاريخية، إذ يشكل كل قسم امتدادا طبيعيا للآخر، كما يتيح الاطلاع على جميع أشكال المعرفة، لذلك فإن التجربة البحثية تصبح متصلة، إذ يتحرك الباحث بسلاسة بين التاريخ والفكر والثقافة عبر المواد المختلفة، كما تكتسب الزيارة بعدا شخصيا وعلميا في آن واحد.
ومع استمرار إدارة المكتبة، تولت حسناء داود المسؤولية، إذ تربطها علاقة وفاء وإخلاص بالمكان، كما ترى أن مهمتها ليست مجرد الإشراف على الكتب والأوراق، بل حماية رصيد ثقافي ومعنوي ثمين، لذلك فقد أصبحت الخزانة تحت إشرافها فضاء حيّا للبحث والدراسة، إذ يلتقي الباحثون بالمخطوطات والوثائق والصحف، كما تتضح قيمة كل مادة كونها جزءً من سردية متكاملة تجمع الماضي بالحاضر، حيث يسهل التنقل بين الأقسام المختلفة.
القسم الخاص بالكتب يضم نحو 12 ألف كتاب، إذ توزعت بين العربية، الإسبانية، الفرنسية والإنجليزية، كما تعالج أصناف المعرفة المتنوعة من الأدب إلى الفقه، التاريخ والفن، بينما يمتد الزائر بسلاسة إلى المخطوطات، إذ تشمل 761 عنوانا بين مجاميع وكتب مفردة، كما تضم المصحف الغرناطي من القرن الثامن الهجري وكناش الحايك المتعلق بالآلات الأندلسية، لذلك يمكن القول إن هذه الأقسام اامترابطة تتيح فهما واضحا عن عراقة تطوان الثقافية.
أما الوثائق، فهي أكثر من 1579 وثيقة تاريخية تشمل الرسائل السلطانية، القرارات الرسمية، وثائق حرب تطوان وملفات الحرس الخليفي، كما تضم الوثائق العدلية التي تتناول عقود البيع والشراء والهبات والوصايا، وأقدمها يعود إلى سنة 994هـ/1586م، لذلك يشكل الاطلاع على الوثائق امتدادا طبيعيا للتصفح في الكتب والمخطوطات، إذ يكون للباحث صورة شاملة لتاريخ المدينة ومجتمعها، كما تصبح العلاقة بين المواد أكثر وضوحا وتكاملا.
ويبرز الأرشيف الصحفي كالقلب النابض للخزانة، إذ يضم أكثر من 50,000 صحيفة ومجلة عربية وأجنبية، تتوزع على 247 مجموعة صحفية و282 مجموعة مجلات، بالإضافة إلى 14,627 صورة وبطاقات بريدية تاريخية وطنية وعالمية، لذلك فإن هذا القسم يوفر فرصة فريدة لدراسة الصحافة المغربية، كما يعكس تطور الرأي العام وحركة الأفكار، إذ تتحول كل صحيفة أو مجلة إلى وثيقة حيّة تمثل نبض المجتمع ومراحل التحولات الفكرية والسياسية عبر الزمن.
كما يعكس كل ركن من الخزانة روح مؤسسها، إذ جمع المواد بعناية لتكون شاهدة على الحركة الفكرية والثقافية لتطوان، بينما تتضح العلاقة بين الأقسام المختلفة بجلاء، إذ تقدم الكتب والمخطوطات الخلفية الفكرية، كما تضيف الوثائق العمق التاريخي، بينما يكمل الأرشيف الصحفي المشهد بنبض المجتمع والسياسة، لذلك يصبح الزائر جزء من قصة متواصلة لتطوان وحركتها الفكرية والثقافية، مع الحفاظ على إرث مؤسسها محمد داود وإشراف حسناء داود المستمر.






























