عبد اللطيف مجدوب
ليست مجرد لعبة
تُعد كرة القدم اليوم أكثر من مجرد ” لعبة ” إنها ظاهرة اجتماعية وسياسية عابرة للحدود، وقوة ناعمة قادرة على صياغة هوية الأمم ، بينما يراها العالم جسراً للتواصل ، تبدو في سياقات خرى كمرآة تعكس صراعات عميقة وتوترات كامنة.
كرة القدم كجسر للتواصل ودبلوماسية الشعوب
تثبت الوقائع التاريخية أن التظاهرات الكروية الكبرى ، ككأس العالم والبطولات القارية ، هي أكبر منصة لتعارف الشعوب.
* أقوى من السياحة، لقد نجحت ” دبلوماسية الكرة ” في تقديم دول للعالم بمؤهلاتها الثقافية والحضارية بشكل أسرع وأعمق مما تفعله الحملات السياحية التقليدية.
* بروز الدول المغمورة ، بفضل هذه اللعبة الساحرة ، سُلطت الأضواء على بلدان كانت منسية في الخارطة السياسية أو الاقتصادية، فأصبحت أسماء مثل ” كرواتيا ” أو ” أيسلندا ” أو دول إفريقية صاعدة، مألوفة لدى القاصي والداني بفضل إنجازات لاعبيها.
الواقع العربي.. الاستثناء النشاز
للأسف، تقف الجماهير العربية في هذه المعادلة كـ ” استثناء نشاز”، حيث تتحول الملاعب أحياناً من فضاء للفرجة إلى ساحات لتصريف الأحقاد.
* المنافس كعدو، ما زال الوعي الرياضي لدى فئات واسعة يخلط بين ” الخصم الرياضي “و ” العدو الوجودي” فتصبح المباراة نزالاً مصيرياً يتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
* الرموز والنزعة الأنثروبولوجية ، يطغى التلويح بالرموز الحيوانية (كالنسور، والأسود، والفيلة، ومحاربي الصحراء) ليس كفلكلور رمزي فحسب، بل كشحن عاطفي يستدعي القوة البدنية والسطوة، مما يعزز الشعور بالانفصال لا التكامل.
* خلط الرياضة بالسياسة، ظهر هذا جلياً في مناسبات مثل ” كأس العرب “، حيث تسمم الأجواء بمواقف سياسية، مثل امتناع لاعبين عن مصافحة مدربين أو خصوم لأسباب لا علاقة لها بالرياضة.
* الشوفينية الإعلامية ، يساهم بعض المحللين والواصفين الرياضيين في تأجيج هذه المشاعر عبر خطاب ” شوفيني”.
(تعصب أعمى) يقدس الذات ويحط من شأن الآخر، مما يزرع الفرقة في صفوف الجماهير، كما لوحظ في بعض القنوات الرياضية .
* العقدة الجغرافية والسياسية ، يبرز ذلك في التحيّز لفرق دون أخرى بناءً على تقارب أو تباعد سياسي، ويظل المغرب نموذجاً فريداً بتموقعه الجغرافي في أقصى شمال غرب إفريقيا، حيث يواجه أحياناً أحكاماً أو تعاطفاً يخضع لموازين السياسة أكثر من المنطق الرياضي.
متى ينضج الوعي الرياضي العربي؟
إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه ، متى تقلع الجماهير الرياضية العربية عن هذه العقدة المستفزة؟ لن يحدث هذا الإقلاع إلا بفك الارتباط بين ” الكرة ” و” السياسة “، وترسيخ قيم الروح الرياضية كفلسفة تربوية تبدأ من المدرسة والإعلام. إن الكرة يجب أن تكون مناسبة للاحتفال بالتنوع الإنساني، لا وسيلة لتعميق الجراح السياسية.
وكخلاصة ، فكرة القدم تملك القدرة على التقريب بين الشعوب، لكنها تظل ” سلاحاً ذا حدين “؛ فإما أن تكون لغة محبة عالمية، أو وقوداً لنعرات تفرق ما جمعه التاريخ والجغرافيا.































