الغبزوري السكناوي
في كل 13 يناير تحل السنة الأمازيغية محمولة على الطبول، والرقص، والفرح المعلن في الساحات والمؤسسات. احتفال يبدو جميلا، لكنه يخفي مفارقة واضحة: كلما ارتفع التصفيق، تراجع السؤال السياسي والفكري، وكأن الأمازيغية لا يسمح لها بالحضور إلا عندما تكون آمنة، بلا إزعاج. هكذا تتحول المناسبة إلى طقس موسمي مريح للجميع، بلا استثناء ولا مسؤولية حقيقية.
هيمنة “الفلكلور” على هذا الموعد لم تعد تفصيلا عابرا، بل قاعدة راسخة. الأغنية تغطي غياب السياسات، واللباس التقليدي يحجب ضعف التفعيل، والرقصة تؤدي وظيفة الإلهاء. هكذا تقدّم الأمازيغية مشهدًا جميلًا بلا مضمون سياسي أو اجتماعي مقلق، يطمئن الجميع، ويحول الهوية إلى عرض قابل للاستهلاك السريع والمؤقت، دون مساءلة نقدية حقيقية أو نقاش عمومي جاد ومستمر.
الأكثر سخرية أن هذا المشهد يضم اليوم رموزا من الحركة الثقافية الأمازيغية نفسها، ممن رفعوا شعار “لا لفلكرة الأمازيغية”. بعضهم يتصدر الرقص ويتقاسم “تغواوين” في الاحتفال، ناسيا أن الشعارات، حين تفقد معناها، تتحول إلى زينة احتفالية فارغة. تزين المشهد، وتخدم طمسا ناعما للذاكرة، دون وعي أو قصد سياسي مباشر، لكنه مسار خطير ومستمر بصمت.
وسط هذا الصخب، يغيب السؤال الجوهري حول الدور المحافظ للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، دسترة الأمازيغية: ماذا تحقق فعليا؟ كيف تفعل داخل الإدارات العمومية؟ وهل صارت لغة خدمة أم مجرد نص دستوري معلق لا يزعج أحدا، ولا يطالب بحقوق واضحة في الممارسة اليومية داخل الإدارة، القضاء، التعليم، والإعلام العمومي، حتى اليوم، رغم الوعود المتكررة والبرامج المعلنة رسميا
الوضع لا يختبف في حقل التدريس، حيث يغيب النقاش حول الجودة، التعميم، والاستمرارية. كما تغيب الترجمة، الإنتاج الأدبي والفني، والنقد المواكب له. الجميع يفضل الصمت، لأن الأسئلة تفسد صورة الاحتفال المثالية، وتكشف فراغا سياسيا وثقافيا لا يعالج بالرقص، ولا بالأهازيج، ولا بالصور التذكارية الرسمية المتداولة كل سنة بالحماس نفسه، دون أثر حقيقي مستدام.
الخلاصة مؤلمة، حين تريد قتل هوية، لا تقمعها، بل حولها إلى احتفال مفتوح بلا ذاكرة، بلا صراع، وبلا معنى. هكذا تنتصر “الفلكلرة”، وتخسر الأمازيغية عمقها السياسي والفكري بهدوء شديد، تحت تصفيق الجميع، ومباركة الإعلام، وصمت النخب القديمة والجديدة، التي اعتادت الرقص أكثر من التفكير والمساءلة والمواجهة الرمزية الضرورية اليوم وغدا.
هذه ليست مؤامرة، بل نجاح ذكي. سيصفق له الجميع، من خصوم الأمس وأصدقاء اليوم. هكذا تموت الهويات واقفة، تبتسم، ترقص، وتختفي ببطء تحت تصفيق حار، بينما يتحول المعنى إلى فرجة، ويصير القتل ناعما، وتغلق الأسئلة، وتستريح السلطة، وتربح “الفلكلرة” معركة بلا ضجيج ولا مقاومة سياسية رمزية طويلة الأمد في الوعي الجماعي العام.































