تبدو رواية “السيل” لأحمد التوفيق اليوم أقرب الأعمال الأدبية المغربية إلى الواقع الذي تعيشه مناطق واسعة من البلاد، بعد تجدد مشاهد الفيضانات بالقصر الكبير ومنطقة الغرب. فالرواية، رغم صدورها قبل سنوات، تلامس لحظة اختلال مألوفة، حين تتحول المياه إلى قوة مفاجئة تعطل الحياة اليومية، وتضع الإنسان أمام هشاشته، وتكشف أن الاستقرار الذي يبدو راسخا قد ينهار في ساعات قليلة، ويترك المجتمع أمام أسئلة الخطر والنجاة وإعادة ترتيب الأولويات دون إنذار مسبق.
في رواية “السيل” لا يتوقف السرد عند وصف الكارثة، بل يركز على ما تحدثه داخل المجتمع. وهو ما يعكسه الواقع الحالي، حيث تظهر الفيضانات كيف تتغير العلاقات بين الناس تحت الضغط، وكيف يبرز التضامن أحيانا، وتظهر الأنانية أحيانًا أخرى. الكارثة هنا لا تختبر البنية التحتية فقط، بل تختبر القيم والسلوك الجماعي، وتكشف طريقة تفاعل المجتمع مع الخطر حين يصبح حاضرا ومباشرا، ويهدد الإيقاع اليومي للحياة والاستقرار الاجتماعي المحلي العام بشكل واضح.
تقدم الرواية صورة لمكان يعيش إيقاعا هادئا قبل أن يقطعه السيل فجأة، وهو ما يتكرر في مدن وقرى مغربية حين تتوقف الحياة الطبيعية تحت ضغط المياه. في مثل هذه اللحظات، يتغير الزمن، وتتقلص المسافات بين الخوف والنجاة، ويصبح التفكير في المصير حاضرا بقوة. هنا يلتقي الأدب بالواقع، في تصوير لحظة استثنائية تعيد ترتيب الأولويات، وتكشف ما كان مؤجلًا في الوعي الجماعي، وتضع الإنسان أمام حدود قدرته على السيطرة والتخطيط المسبق دائمًا.
كما تطرح الرواية أسئلة ضمنية حول القدر والمسؤولية دون خطاب مباشر، يطرح الواقع بدوره أسئلة مشابهة حول الاستعداد والتخطيط وحدود تدخل الإنسان أمام الطبيعة. فبين من يفسر الفيضانات كقضاء محتوم، ومن يربطها بالاختلالات البيئية والعمرانية، تتشكل قراءة جماعية للحدث، تكشف تعدد طرق الفهم داخل المجتمع الواحد، وتبرز دور الثقافة الشعبية في التعامل مع الخطر، حين تتحول الكارثة إلى اختبار للوعي والمسؤولية الجماعية والتصرف العقلاني وقت الأزمات الكبرى والمفاجئة دون جاهزية كافية.
لا تنتهي رواية “السيل” عند الدمار، بل عند ما بعده، حيث يبدأ الناس في ترميم ما تهدم ومراجعة ما حدث. وهو المعنى نفسه الذي يفرضه الواقع اليوم، إذ تتحول الفيضانات إلى لحظة وعي جماعي بضرورة إعادة التفكير في علاقة الإنسان بالمجال والماء والطبيعة. في هذا التقاطع بين الأدب والواقع، تبدو الرواية مرآة مبكرة لاختبار مناخي وإنساني متجدد، يفرض مراجعة الخيارات ويكشف أن التكيف أصبح ضرورة لا خيارا في مغرب متغير.































