الغبزوري السكناوي
مع كل اضطراب جوي، ومع كل موجة أمطار، تدخل الإدارة المغربية في حالة استنفار قصوى، وتعلن وزارة الداخلية، ومعها ولايات الجهات وعمالات الأقاليم، عن تفعيل مراكز القيادة واليقظة، وتثبيت اللجن الإقليمية للتتبع والتنسيق. مشهد يتكرر بدقة موسمية، حتى صار جزءا من طقوس المطر. لا أحد ينكر أهمية هذه الدينامية، ولا يشكك في ضرورتها، فحياة المواطن لا تقاس بالكلفة، غير أن السؤال الحقيقي لا يبدأ من لحظة التفعيل، بل مما سبقها بسنوات.
اللافت أن هذه اليقظة تظهر دائما بعد أول فيضان، وبعد أول انقطاع للطريق، وبعد أول ضحية. وكأن منطق التدبير يقوم على انتظار الكارثة، ثم إعلان الجاهزية لمواجهتها. هنا بالضبط يصبح من المشروع أن نسأل: لماذا لا تكون اليقظة منذ البداية؟ لماذا لا تكون في مرحلة التخطيط، والترخيص، واختيار مواقع البناء، بدل أن تتحول إلى آلية إسعاف لما هو متوقع ومعروف سلفًا؟
المتتبع لحوادث الفيضانات بالمغرب سيلاحظ أنها لا تقع في فراغ، ولا تضرب مناطق مجهولة السلوك الجغرافي. أغلبها يحدث في مجاري أودية معروفة، أو بمحاذاة شعاب مائية، أو في طرق أُنجزت في مسارات هشة. هذا يعني أن جزءا كبيرا من الخطر لم يكن طبيعيا صرفا، بل نتاج قرارات بشرية، إدارية وانتخابية، اختارت التساهل حيث كان ينبغي الحزم، وغضت الطرف حيث كان يجب المنع.
كيف يسمح بالبناء في الأودية؟ وكيف تمنح التراخيص داخل مجالات قابلة للغمر؟ وكيف تصرف الملايير على منشآت عمومية في مناطق غير مستقرة جيولوجيا؟ هذه الأسئلة لا تطرح بدافع التشكيك، بل بدافع المحاسبة. المفارقة أن المطر نفسه لم يغير توقيته، ولا كثافته، ولا عاداته الموسمية، والأودية لم تنتقل من أماكنها، لكن الذي تغير هو منطق التدبير، حيث يقدم الآني والانتخابي على السلامة والاستدامة.
المفارقة أن الخطاب الرسمي يحاول أن يربط كل شيء بالتغيرات المناخية، وكأن المغرب لم يعرف الأمطار من قبل. صحيح أن المناخ يتغير، لكن الأخطر أن يتغير سلوك الإنسان والمسؤول. أجدادنا، رغم محدودية إمكانياتهم، كانوا أذكى في علاقتهم بالطبيعة؛ يبتعدون عن مجاري السيول، ويفهمون الأرض قبل إعمارها. اليوم نملك الخبرة والدراسات، لكننا نصر على تحدي المنطق ثم نحمل السماء المسؤولية.
تابعنا عددا من برامج قنوات القطب العمومي وما جاورها، واطلعنا على تصريحات مسؤولين بمستويات مختلفة، فكان القاسم المشترك بينها تحميل التغيرات المناخية كامل المسؤولية. جرى الحديث عن كثرة التساقطات، ولم تتوانَ “غرف الأخبار” عن نقل حوادث مماثلة في بوليفيا ودول أخرى، حتى يشعر المشاهد أن ما نعيشه قدر كوني محض، دون مساءلة حقيقية للقرارات البشرية السابقة أو الاختيارات الترابية الخاطئة.
غير أن هذا التفسير الإعلامي لا يصمد طويلًا أمام الواقع. لأننا لا ندفع ثمن الاضطرابات الجوية فقط، بل نتحمل كلفة قرارات نخب محلية فاسدة وجشعة، ومسؤولين لم يوضع ضميرهم بعد على مؤشر الوقاية. الكارثة هنا ليست وليدة لحظة مطر، بل نتيجة سنوات من التغاضي الإداري، والتطبيع مع الخطر، وتقديم المصالح الضيقة على سلامة المواطنين، وهو ما يجعل كل استعداد لاحق محدود الأثر.
وعليه فإن مراكز القيادة واليقظة، مهما بلغت جاهزيتها، لا تستطيع تصحيح أخطاء التخطيط، ولا محو قرارات ترخيص خاطئة، ولا تحويل مجاري الأودية أو تغيير قوانين الطبيعة. مراكز القيادة واليقظة مكانها الطبيعي هو مواجهة حوادث فجائية واستثنائية لم يكن في الوسع دفعها، لا معالجة نتائج التراكمات البشرية. فاليقظة الحقيقية لا تبدأ بتشكيل اللجان، بل بقرار شجاع يمنع اليوم ما سنندم عليه غدا. أما غير ذلك، فسنظل نجيد إدارة ما بعد الكارثة، ونُسيء إدارة أسبابها.































