الغبزوري السكناوي
يبدو أن اللقاء التشاوري الذي احتضنته عمالة الحسيمة يوم 12 نونبر 2025 لم يكشف فقط عن حاجتنا إلى برامج تنموية جديدة، بل كشف أيضا، بطريقة أكثر درامية، عن حاجتنا إلى مجتمع مدني جديد بالكامل، مجتمع له نبض وصوت ورأي، لا مجرد ذكرى باهتة لزمن كان فيه بعض الحيوية. فالحاضر بيننا اليوم ليس إلا طيف ذلك المجتمع، شبحا يظهر عندما يستدعى إلى لقاء ويختفي عندما يطلب منه أن يقترح أو يبادر أو حتى يتنفس. منظمات هنا وجمعيات هناك، لكنها جميعا تعيش على إعادة تدوير الكلام دون أن تنجب فكرة واحدة قابلة للحياة، وكأنها آلات بث لا تعرف غير التكرار.
والأغرب أن اقتراح البدائل التنموية صار.بالنسبة لهذه الهياكل أشبه بتحد معقد، فتتحول أغلب المقترحات إلى نصوص أقرب إلى منشورات الفايسبوك منها إلى رؤى مدروسة. المشكلة ليست في نقص الجرأة، بل في ضمور خيال اختفى منذ زمن لا يتذكره أحد. اقتراحاتهم تشبه وصفات الجدات، بلا أرقام ولا خطط ولا رؤية، فقط كلمات تنتفخ مثل العجين لتنفجر عند أول سؤال جدي. أما روح المبادرة، فقد اختفت بدورها، إذ آخر مبادرة رصدت كانت إعلاناً لجمعية تبحث عن ممولين دون أن يعرف أحد عم تريد أن تفعل به. ضغط؟ اقتراح؟ تتبع للسياسات؟ نحن أمام مجتمع مدني يكتب تقاريره كما يكتب طلبات الدعم بحبر كثيف ونفس قصير.
ومع ذلك، فإن هذا العجز الذي نراه اليوم لم يسقط من السماء، بل بدأ منذ اللحظة التي اكتشف فيها أن المجتمع المدني قادر على الإزعاج، وتحديدا منذ زلزال الحسيمة 2004 حين ظهر أن هذا الفاعل يستطيع أن يبادر، يعبئ، يؤثر، ينظم، يفاوض ويقترح، وهو أمر لم يرق للوسط السياسي. عندها بدأت العملية الجراحية، نزع الأظافر، تهذيب الروح، وقص الجناحين، ثم جاء “العلاج” على شكل تمويل سخي، لكنه لم يكن يوما يهدف إلى البناء أو تقوية القدرات، بل كان واجهة لشراء الصمت، وهكذا انتهى “المارد المشاغب” في غرفة الإنعاش، يتغذى من مشاريع معلبة ومبادرات تستخدم كحقن مهدئة، لا توقظ شيئا سوى الحسابات البنكية
وما يزيد الصورة قتامة أن ضعف هذا المجتمع المدني مكتوب في دفاتره البنكية قبل تقاريره الأدبية، فمن يرى طبيعة التعاقدات ونمط الشراكات ومسارات التمويل والمشاريع المنجزة سيفهم فورا لماذا اختفت الجرأة وتراجع الخيال وفقدت المنظمات قدرتها على التنفس دون أنابيب. إنه مجتمع مدني بلا أنياب ولا شهية، لا ينتج خطابا ولا يمارس ضغطا ولا يقدم بديلا، ويكتفي بالسرد الشفهي عن “أيام زمان”، تماماً كما يحلم الشيخ بالرجوع إلى صباه، لقد صار جسدا منهكا يعيش على الذاكرة بينما يختنق في الحاضر، دون أن يحاول أحد أن يمده بقليل من أوكسجين الاستقلالية”.
وبالنهاية، لسنا أمام مجتمع مدني عاجز فقط، بل أمام مجتمع مدني مطمئن جدًا لعجزه، وجد راحته في دوره الصغير حتى بات يشعر بالقلق إذا طلب منه ما يتجاوز الحضور والتصفيق والتقاط الصور. نحن لا ننتقد المجتمع المدني في جوهره ولا إمكاناته، بل ننتقد بعض منظماته التي اختارت أن تتحول من قوة اقتراح إلى ديكور في اللقاءات الرسمية، ومن قوة ضغط إلى ريشة هواء، ومن قوة نقد إلى “جمعية” بملف قانوني صالح فقط لتبرير الوجود. إن الحسيمة لا تحتاج مجتمعا مدنيا في الأوراق، بل تحتاج مجتمعًا مدنيا جريئا، حرا، مستقلا، غير مروض… مجتمعا يستعيد أنيابه قبل أن يستعيد دوره.































