الغبزوري السكناوي
منذ الإعلان عن تعيين فؤاد حاجي عاملا على إقليم الحسيمة، عاد النقاش إلى الواجهة حول مشاريع لم تكتمل وأخرى تأخر افتتاحها أو ظلت معلقة رغم جاهزيتها التقنية. ملفات عمرها سنوات، تتقاطع بشأنها أسئلة الفاعلين والمواطنين، لتعيد طرح موضوع التنمية المحلية وفعالية الإدارة الترابية. فالإقليم، بما له من رمزية وجغرافيا وتاريخ، يعيش لحظة انتظار لتصحيح المسار واستعادة الثقة، على أمل أن تترجم المرحلة الجديدة وعود التنمية إلى خطوات ملموسة تعيد الطمأنينة إلى الشارع.
في خلفية هذا الحراك المحلي، يبرز التوجه الوطني العام الذي يسعى إلى إرساء نموذج جديد في التدبير العمومي، يربط المسؤولية بالنتائج ويجعل الأثر الاجتماعي معيار النجاح. التوجيهات الملكية الأخيرة، سواء في خطاب العرش أو أمام البرلمان، وضعت مؤسسات الدولة، وضمنها الإدارة الترابية، أمام اختبار الفعالية والمردودية، ودعت إلى تجاوز منطق الانتظار نحو دينامية إنتاجية تترجم الرؤية التنموية إلى واقع معاش. إنها دعوة إلى عقل إداري حديث ينصت، ويبتكر، ويقيس أثر الفعل قبل جمال الصياغة.
وفي هذا الإطار، تتواصل دينامية وزارة الداخلية الهادفة إلى تجديد النخب الترابية وضخ كفاءات جديدة قادرة على الارتقاء بالإدارة إلى مستوى الفعل التنموي الميداني. فالتغيير اليوم لا يعني تبادل المواقع، بل إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها على قاعدة الثقة والمبادرة المشتركة. تلك هي روح المرحلة الجديدة: إدارة تفكر بعيون الناس، وتعمل بإيقاعهم، وتعيد إلى المرفق العمومي مكانته كأداة لتقويم الواقع لا لتبريره.
ومن هذا المنظور، يندرج تعيين فؤاد حاجي على رأس إقليم الحسيمة كخطوة ضمن مسار أوسع لإعادة بناء الثقة في الإدارة المحلية. المهمة ثقيلة، لكن ملامحها واضحة: إنصات، تشخيص، وتفعيل. فالإقليم ينتظر انطلاقة مختلفة، تعيد للمشاريع المتعثرة حياتها، وللأوراش المتوقفة زخمها، وللمواطنين يقينهم بأن التنمية ممكنة حين تتقدم الإدارة نحوهم لا حين تكتفي بمراقبتهم من بعيد. فالإصغاء، حين يتحول إلى فعل، يصنع المعجزات الصغيرة التي تبني الأوطان.
برنامج “لحسيمة: منارة المتوسط” يمثل إحدى الركائز التي تحتاج تقييما معمقا. فالكثير من المشاريع المنجزة لم تترجم إلى خدمات حقيقية، وبعضها ظل حبيس الأوراق رغم انتهاء الأشغال. التحدي الآن هو ربط الإنجاز بالمردودية الفعلية على المواطن وجودة الخدمات العمومية. الفاعلون المحليون يطالبون بتدقيق مؤشرات البرنامج كأساس لإطلاق أي مشروع تنموي جديد، وجعلها أكثر اتساقًا مع فلسفة النجاعة. المرحلة القادمة تحتاج إلى رؤية واضحة، تعطي الأولوية للمشاريع التي تضمن عائدا اجتماعيا واقتصاديا، بدل التركيز على الكم فقط، ما يجعل التنفيذ أكثر مصداقية.
التهيئة الحضرية تشكل تحديا آخر. التوسع غير المنضبط في المراكز الصاعدة وهوامش المدن كشف غياب رؤية متكاملة للتنمية العمرانية. المطلوب ضبط الإيقاع العمراني، وتعبئة العقار لخدمة الاستثمار العمومي والخاص، وتحديث أدوات التعمير بما ينسجم مع الاحتياجات المستقبلية. إعادة فتح ملفات التهيئة السابقة أو تنظيم يوم دراسي حول “الحسيمة الكبرى” يمكن أن يشكل أرضية توجيه متينة. مشاريع القطب الحضري ب”آساكن” ما زالت تنتظر التنفيذ، وبالتالي استئناف التخطيط وفق مقاربة شمولية وواقعية أصبح ضرورة لإعادة التوازن بين النمو العمراني والفرص الاقتصادية.
الاقتصاد المحلي يعاني هشاشة بنيوية مستمرة. المنطقة الصناعية بجماعة إمزورن بلغت حدها الأقصى، فيما منطقة الأنشطة الاقتصادية بآيت قمرة لم تتحول بعد إلى قطب استثماري فعلي. مؤشرات التشغيل في مراكز النداء ومشاريع ترحيل الخدمات لم تُترجم بعد إلى واقع ملموس. سوق الشغل بالإقليم يعاني هشاشة واضحة، تتطلب اليوم ربط التحفيز بالنتائج الفعلية لا بالإعلانات. إعادة تنشيط الاستثمار المناسب وربطه بتكوين اليد العاملة المحلية يمثلان مدخلاً لضمان مردودية مستدامة، وتحويل الموارد البشرية إلى قوة اقتصادية حقيقية ترفع من مستوى الثقة بالإدارة المحلية.
قطاع السياحة شهد تحولات كبيرة في البنية التحتية والوحدات الفندقية، إلا أن تنويع المنتوج والارتقاء بجودة الخدمات ما زالا بحاجة إلى دفعة قوية. فرص التشغيل بالمشاريع السياحية الكبرى ظلت جد ضعيفة وقياس أثرها على اليد العاملة المحلية لا يزال محدودا. القطاع بحاجة اليوم إلى قيادة مبتكرة تعيد صياغة استراتيجية السياحة بشكل شامل، يربط بين الاستقبال النوعي، وتطوير المنتوج، وتأهيل الكفاءات المحلية. السياحة ليست مجرد منشآت جميلة، بل منظومة متكاملة تتطلب عقلية إدارة عملية تترجم الموارد إلى قيمة ملموسة للمواطنين والزوار.
القطاع الثقافي يعيش ركودًا رغم الاستثمارات الكبيرة. المسرح الكبير، دار الإعلام، والمعهد الموسيقي ما زالت دون تشغيل رغم الإنتهاء من أشغال اليناء والتجهيز منذ سنوات، في حين تنتظر المواقع التاريخية كالمزمة، قلعة أربعاء تاوريرت، قلعة طوريس، وبادس رؤية واضحة للتفعيل الإداري والوظيفي. هذه الفضاءات يمكن أن تصبح محركات للهوية المحلية والسياحة الثقافية إذا أُديرت وفق رؤية مستدامة. إدماجها في برامج التنمية سيعزز فرص التفاعل بين الثقافة والسياحة، ويجعلها موارد منتجة بدل أن تبقى رمزا للبطء الإداري، ويضيف بعدًا حقيقيا للحياة المجتمعية بالإقليم.
العمل الاجتماعي شهد توسعا في البنيات، لكنه يواجه تحديات في الحكامة والتمويل. مراكز النساء، المسنين، النقل المدرسي والأشخاص في وضعية إعاقة قائمة، لكنها لا تعكس بشكل كامل أهداف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. المطلوب تقييم دقيق للإنجازات وربط الأداء بالنتائج الاجتماعية الفعلية. اعتماد مقاربة تشاركية بين الإدارة والجمعيات المحلية الصادقة والجادة يضمن استدامة الخدمات ويحقق أثرا ملموسا على المستفيدين. كما أن مراجعة أساليب التدبير ستمكن من تحسين الكفاءة وتحويل الموارد إلى خدمات ملموسة تلبي احتياجات المواطنين وتستثمر الإمكانات القائمة.
المجال البيئي والإيكولوجي يملك إمكانات استراتيجية لم تستغل بعد. مشاريع من طراز المركز المتوسطي للبحر “متحف علوم البحار والمحيطات” بميرادور والمتحف الإيكولوجي ببوجيبار، ومنتزه السواني يمكن أن تمنح الإقليم بعدًا اقتصاديا وسياحيا مهما إذا أُديرت ضمن رؤية شاملة. تفعيل هذه المرافق يتيح خلق فرص تعليمية وبحثية، ويحولها إلى منصات لإنتاج المعرفة والابتكار في الإستثمار والنشاط السياحي. بالحسيمة، التي تتمتع بمقومات بيئية فريدة، تحتاج اليوم إلى إدارة أكثر تخصصا واستباقية، قادرة على حماية الموارد الطبيعية وتحويلها إلى رافعة للتنمية المستدامة والسياحة البيئية، بما يعزز مكانة الإقليم محليا وإقليميا
قطاع الرياضة بدوره شهد إنشاء مرافق كبرى لم تفعل بعد، مثل الملعب الكبير، القاعة المغطاة، المسبح الأولمبي، مركز للتكوين والمركز الجهوي لحماية الطفولة. هذه المنشآت يمكن أن تحتضن طاقات الشباب وتدعم تنشيط الحياة الاجتماعية والرياضية، إذا ما وضعت في إطار استراتيجية واضحة ومستدامة. تفعيلها بشكل منتظم يشكل عنصرا أساسيا في تعزيز الإقتصاد الرياضي إلى جانب تنمية المواهب المحلية، وإشراك المواطنين في برامج رياضية واجتماعية، ما يعكس نجاعة الاستثمار في القطاع ويحول بنياته إلى محور للتنمية المحلية وليس مجرد واجهة رمزية.
الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لم يحقق بعد مردوديته المنتظرة. مركبات ومراكز الصناعة التقليدية ما تزال ضعيفة النشاط، ومنصة البيع واللوجستيك بٱيت قمرة والسوق التضامنية بميرادور لم تفعل بالشكل الصحيح أو لم تفتح بعد. فتح هذه الفضاءات أو إعادة هيكلتها وتحديث أساليب إدارتها سيمنح القطاع مكانة حقيقية داخل الدورة الاقتصادية. إذا ما تم التعامل معه كاقتصاد منتج، يمكن أن يصبح رافعة للإدماج المهني وتنمية القدرات المحلية، بدل أن يبقى قطاعًا رمزيًا فقط، ما يعكس مدى فعالية الإدارة في تحويل الموارد إلى أثر ملموس على الأرض..
فؤاد حاجي سيجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج، إدارة ملفات عالقة منذ سنوات، وفي الوقت نفسه التعامل مع مجالس منتخبة هشة وغير متجانسة، تكاد تكون في حالة انتظار، أو تتحكم فيها ديناميات غير مفهومة. لا يجب أن يقتصر الأمر على الوعود، بل على قدرة الإدارة الترابية على إعادة تنظيم آلياتها وفق منطق النتائج. المطلوب هو إعادة تشغيل المشاريع أو تنفيذها وفق صرامة إدارية حقيقية تشمل متابعة دقيقة للنتائج، اتخاذ قرارات حاسمة عند القصور، مع تنسيق فعال وتحديد دقيق للمؤشرات والأولويات لكل ملف. الحسيمة تمتلك الإمكانات، وما تحتاجه اليوم هو إدارة تحول البرامج والمشاريع التنموية إلى واقع ملموس يقاس بالمردودية والأثر الاجتماعي.































