حسن المرابطي
اِعلم أنه منذ اقتراح ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية،إنشاء مجلس السلام في سبتمبر 2025،والجدل لم يتوقف حول صلاحيات هذا المجلس، أو قل بشكل أدق لم يفهم الهدف الخفي من إنشائه، لاسيما أن ميثاقه لم يحصر مهمته في إنهاء حرب غزة وإعادة إعمارهاكما تُحدث عنه قبل، وإنما جاء على لسان مؤسسه وأيضا في الميثاق المنشور أن هذا المجلس يسعى إلى تعزيز الاستقرار ومعالجة مختلف النزاعات الأخرى حول العالم؛ وعليه، بعد الإعلان الرسمي يوم الخميس 22 يناير 2026 عن تدشين مجلس السلام بمشاركة 25 دولة في دافوس، والتوقيع على ميثاقهمن قبل 27 دولة إلى حدود انعقاد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن يوم 19 فبراير 2026، أعلن الرئيس أن مجموع مساهمات هذه الدول: كازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر والسعودية وأوزبكستان والكويت، تعدى 7 مليارات دولار في حزمة الإغاثة.
وفي هذا الصدد، لابد من التذكير أن المتابعين للشأن الدولي والباحثين في مجال السياسة الدولية، فضلا عن الفاعلين السياسيين، لم يتفقوا عن جدوى هذا المجلس، وتباينت مواقفهم؛ وعلى سبيل المثال، في المغرب، تعددت الآراء، فمنهم من ثمن مشاركة المغرب لاعتبارات عدة؛يأتي في المقدمة،دعوته إلى المشاركة في التأسيس من قبل ترامب بينما استثني العديد من الدول الأخرى، الأمر الذي اعتبر مؤشر إيجابي وغيرها من الإشارات الأخرى؛ وفي المقابل، نجد من نظر إلى الأمر بكل من السلبية لأن مشاركته في مجلس يضم مجرمي الحرب ومرتكبي الإبادة الجماعية يبعث عن القلقوالتوجس من مخططاته، وهكذا؛ ولعلالأستاذ الجامعي سعيد الصديقي أحسن القول عندما استبعد انضمام الدول إلى المجلسبدافع الاقتناع المبدئي أو السعي لتحقيق مصالح مباشرة وواضحة، بل كان بغية تجنب مخاطر ردود الفعل المفاجئة وغير المتوقعة لترامب، مع إدراكها لحدود فعاليته.
وبعيدا عن الغوص فيما اختلف عليه لتعدد زوايا النظر؛ فإن المغرب يعتبر عضو مؤسس في المجلس؛ وحسب فصول الميثاق الموقع، فإن مجلس السلام يعتبر منظمة دولية من أهم ما تسعى إليه هو تولي مهام بناء السلاموأن تمويله يتم من خلال التمويل الطوعي من الدول الأعضاء وغيرها من المصادر؛لذلك، نجد أن المغرب قدم مساهمة مالية لم يتم الكشف عن تفاصيلها، ما منحه عضوية دورية لمدة 3 سنوات حسب ما هو منصوص عليه في الميثاق؛ بل تعهد المغرب، حسب ما جاء على لسان وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، خلال الاجتماع الأول لمجلس السلام، بنشر قوات من أفراد الشرطة المغربية لتولي مهام تدريب القوات في غزة ونشر ضباط متخصصين للانضمام إلى قوة الاستقرار الدولية، واعتزام إنشاء مستشفى ميداني،مع إطلاق برنامج متكامل لمكافحة خطاب الكراهية وتعزيز قيم التسامح والتعايش.
وبالنظر إلى كل ذلك، ودون نقاش المضامين بشكل مفصل، فإن انضمام المغرب إلى هذه المنظمة الدولية يطرح تساؤلات قانونية بغض النظر عن النتائج المتوقع تحققها، إن إيجابية أو سلبية؛ بل إن النظر في فحوى الميثاق وما يلزمه الانخراط في هذا المجلس يقودنا إلى استحضار ما نص عليه الدستور المغربي في الفصل 55؛ ومن باب التذكير، فإن المصادقة على معاهدات السلم أو الاتحاد أو تلك التي تترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة وغيرها لا يكون إلا بعد الموافقة عليها بقانون؛ وعليه، جاز لنا التساؤل عن شرعية التوقيع والانضمام إلى منظمة دولية يترتب عنه تكاليف تلزم مالية الدولة في أضعف تقدير، وإلا فإن مضامين الميثاق توحي بالانخراط في تنفيذ قرارات المجلس التي تتعدى ما هو مالي، كبعض التعهدات التي أطلقها الوزير ذات الطابع العسكري والأمني والثقافي.
بمعنى آخر، ما رأي نواب الأمة في هذا الإجراء الذي أقدمت عليها دولتنا، وهل يقتضي الموافق عليه من طرفهم بقانون كما ينص عليه الدستور، أم هو مستثنى من ذلك رغم ما يلزم مالية الدولة من تكاليف، فضلا عن إمكانية إدراج هذا التوقيع ضمن مجال معاهدات السلم أو الاتحاد؟ وبشكل موازي، فإن هذا الأمر، بقدر ماناله من نقاش حول مضامينه لتزامنه مع سياق دولي خاص ومضطرب، نستغرب ضعف مناقشة ذلك بشكل أكاديمي بعيدا عن لغة العواطف، أو ما صار يسيطر على بعض الباحثين من الاصطفاف إلى جانب دون الآخر بعيدا عن تفسير ذلك بلغة علمية قانونية وفق ما تقتضيه صفتهم العلمية.
وعلى سبيل الختام، نقول: من الجميل والفخر لأي مواطن مغربي أن يرى بلده ذا دور فيما يخص القضايا العالمية، ويزاحم الكبار في اعتماد قرارات دولية تسعى لتحقيق السلم وإنهاء النزاعات والأزمات السياسية الدولية؛ لكن كل هذا لا يجب أن ينسينا النظر إلى طريقة اعتماد القرارات، فضلا عن السياقات التي اتخذت فيها، فقد يعيبها هذا حتى إن كان ظاهرها جذابا؛ وبالموازاة، لا بأس من تعويد النفس، لاسيما لدى فئة الباحثين والباحثات، التعامل مع القضايا كما يتعامل القاضي، بتجرد وحياد، حتى يتحرى الحق بعيدا عن لغة العواطف؛ لذلك لابد من محاولة الإجابة عن التساؤل التالي:
هل التزم المغرب بالدستور وهو يعلن انخراطه في مجلس السلام الذي يعد منظمة دولية وتقتضي ما تقتضيه من التزامات؟ وهل مازال سيشهد تدخل السلطة التشريعية المخولة للموافقة على ما يلزم مالية الدولة؟أم أن كل ما يمكن إثارته لا يسري عليه ما تضمنه الفصل 55 من الدستور؟
اللهم ارزقنا المنطق والعمل به.






























