حسن المرابطي
ما أشبه مهزلة اليوم بمأساة الأمس: من محنة خلق القرآن إلى تهمة الصلاة بالقبض
“التاريخ يعيد نفسه”، كثيرا ما يتردد على ألستنا هذه المقولة، ولا نظن أنها عبثا تقال أو تقتصر على تيار دون آخر، ولا جماعة دون أخرى، وإنما نكاد نصفها بالقاعدة التي يأخذ بها المتطرف والمعتدل وحتى المتساهل، ويكاد المنكر لها قولا يأخذ بها فعلا؛ ولعل حياتنا اليومية شاهدة على الاستشهاد بهذه المقولة كلما رأينا تصرفا صادراعن فرد أو جماعة، إن إيجابيا أو سلبيا؛ حيث لا يترك مجال إلا واستعملت فيه المقولة الخالدة، والتي أخذت صيغا مختلفة؛ ذلك أن الفيلسوف كارل ماركس اشتهر عليهمقولة أكثر حصرا، وهي: “التاريخ يعيد نفسه مرتين، المرة الأولى كمأساة والثانية كمهزلة؛ وهكذا نجد أن الغالبية تكرر المقولة التي افتتحنا بها الحديث، والتي نرى ارتباطها بالمفهوم الإسلامي “السنن الإلهية” التي تحكم الكون والمجتمعات؛ ذلك أن قراءتها في ضوء هذا المفهوم الإسلامي قد يفسح المجال لتفسيرات عدة، وهكذا.
وعليه، واستحضارا للنقاش الذي خلقه نشرمراسلة منسوبة إلى المجلس العلمي الجهوي لجهة الدار البيضاء سطات، والتي تضمنت الحديث عن مخالفات القيمين الدينيين في أداء الشعائر الدينية (وهذه بعض المخالفات: أداء الصلاة بالقبض، عدم قراءة دعاء القنوت قبل الركوع من الركعة الثانية، …)، والدعوة إلى القيام بالمتعين لاسيما دعوة المعنيين بهذه المخالفات من رؤساء المجالس العلمية المحلية،ذكرتنا بقصةمحنة خلق القرآن التي ظهرت آواخر عصر الخليفة العباسي المأمون الذي تبنى عقيدة المعتزلة؛ حيث فرض هذا النهج من التفكير، وأكره العلماء على القول بأن “القرآن مخلوق”، وتم سجن وتعذيب كل من رفض، وكان أبرز إماماشتهر اسمه بالوقوف في وجه فرض هذه العقيدة والقول بخلق القرآن هو الإمام أحمد بن حبل الذي عذب وسجن.
وبعيدا عن الغوص في تفاصيل هذه النازلة التي كانت نتيجة لنمط في فهم العقيدة بعدما تأثرت بالفلسفة اليونانية، وما أحدثته من نقاشات وسجالات لم تتوقف إلى يومنا؛ فإن مسألة خلق القرآن، وإن كانت ذات طابع عقائدي،إلا أنها ذات تشابه بما تحاوله وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجالس العلمية الجهوية فرضه؛ ذلك أن مسألة الصلاة بالقبض، على سبيل المثال، من المسائل التي تفتقد لما يجعلها تستحق إكراه الناس على تركها، حتى إن سلمنا بوجوب إرغام المصلين على تطبيق السنن الشريفة، لكون السنة النبوية تشهد بفعل القبض في الصلاة لا العكس؛ وكما هو معروف، حسب القاعدة الأصولية والفقهية، فإن المثبت يقدم على النافي، أي أن إكراه الأئمة على السدل في الصلاة بدعوى الالتزام باجتهاد فقهي ضيق في حضور نصوص شرعية مثبتة للقبض ومخالفة لما يدعو له هذا الاجتهاد يعتبر عين مخالفة الفقه والمنطق.
ونفس الأمر بالنسبة لقضية “خلق القرآن”، حتى إن سلمنا بإمكانية قبولها عقلا من البعض، رغم ما تحمله من تأثيرات بالفلسفة المتشبعة بالمادية؛ فإن فرض فكرة خلق القرآن ليس بالأمر الهين وغاية في صعوبة الاستدلال عليها في ضوء ما جاء به القرآن الكريم، الذي اكتفى بالإشارات في مجال الغيبيات لتقريب المعنى والتحذير من الوقوع في تنزيل قوانين الحياة على الأمور الغيبية لإدراكها، خاصة في مسألة وصف الذات الإلهية، قال تعالى: “لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ”، “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير”، “وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً”؛ وعليه، كان من الصعب جدا قبول فكرة أن كلام الله مخلوق لانعدام أي نص شرعي واضح، بل إن كثرة التأويلات والافتراضات لإثبات شيء غيبي لا ينسجم معه فرضه بالقوة والسلطان؛ وعليه، كان رفض هذا النهج من التفكير وبعض نتائجه أمرا منطقيا، لاسيما من العلماء.
ومن باب التذكير والدعوة إلى التأمل، فإن مسألة الاحتجاج بالعقل كل مرة للانتصار لبعض الأفكار ذات البعدالغيبي (كقضايا العقيدة مثلا) أمرا يستوجب الحذر والانتباه؛ ذلك أن العقل درجات ومراتب، أي أن استعمال نفس النهج لفهم بعض الظواهر الكونية، حتى إن ثبتت جديته وصلابته، فلا يصلح بالمطلق لإدراك الغيبيات، لأنها تقع خارج حدود العقل المادي الذي تأسست قواعده على ما هو ملموس ومحسوس؛ وبلغة الرياضيات والفيزياء، فإن الغيب يقع في بعد آخر أو مجال أوسع مما تدركه الحواس؛ لذلك، عدم إدراك بعض الأمور لا ينفي عليه العقلانية بمفهومها الوارد بالقرآن الكريم، ولكن بكل تأكيد غير مستوعبة بالنسبة لمن تشبع بالماديات؛ وعليه، فإنه من شدة التصاقه بها (أي الماديات)، تراه يحاول قدر الإمكان التجرد منها دون امتلاك القدرة على تجريد المنهج المتبع من ذلك، فيظن من حيث لا يدري أنه متجردا في فهم الغيبيات وهو أكثر تشبعا بكل ما هو محسوس وملموس.
وعلى العموم، فإن ما يجمع محنة خلق القرآن الكريم وتهمة الصلاة بالقبض وغيرها من المخالفات التي سجلها المجلس العلمي الجهوي لجهة الدار البيضاء هو خلوها من أي قوة الحجة في إثبات القضايا المعنية أصالة، وبالأحرى القدرة على إثبات الشرعية في إكراه الناس على الاعتقاد بها والعمل بمقتضياتها؛ وعليه، فإن محاولة فهم هذه القضايا من خلال مناقشتها علميا يصعب تقبله، وإنما الأقرب إلى تفسير هذاالسلوك الصادر من مؤسسات الدولة يقتضي منحه بعدا سياسيا حتى يستقيم؛ وبالمناسبة، فإنهناك من الباحثين والمفكرين من عالجمحنة الإمام أحمد مع فتنة خلق القرآن الكريم بالاستناد إلى المقاربة السياسية، ويأتي على رأسهم الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري في كتابه “المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد”.
وبعيدا عن التفاصيل التي عالج بها الجابريحالتي ابن حنبل وابن رشد، إلا أن المثقف (حسب تعبير الجابري الذي يمثله الإمام أحمد والفيلسوف ابن رشد) يلعب دور الناقد الاجتماعي وضمير المجتمع الحي، لكن في نظر السلطات مثير للعراقيل والفتن؛ وعليه، فإن عدم امتثال الإمام أحمد لترديد ما يأمر به الخليفة من كون القرآن مخلوقا جعل منه أخطر الأشخاص على أمن الدولة وأشد المعارضين.
وبالتالي، وفق المقاربة التي اعتمدها الجابري، وفي ظل هذا التشديد من المجالس العلمية المحلية والجهوية ومعها وزارة الأوقاف والشؤون السلامية بقيادة أحمد التوفيق على تنزيل خطة تسديد التبليغ،حيث تم توقيف عشرات أو مئات الخطباء والأئمة والمشهود لهم بالكفاءة العلمية لمجرد مخالفة بعض الأمور الفقهية المختلف عنها داخل المذهب المالكي المعتمد في المغرب، أو عدم اعتمادهم خطب الجمعة المنضوية تحت خطة تسديد التبليغ التي قيل عنها أنها اختيارية، ألا يحق لنا التساؤل عن إمكانية إعطاء كل هذه الإجراءات بعدا سياسيا بعيدا عن اختلاف المذاهب الفقهية أو العقدية، خاصة أن الإتيان ببعض السنن أو تركها لم يشكل يوما أي اختلال في المجتمع، بل على العكس تماما كان مؤشرا على حسن التعايش وقبولالاختلاف والمخالفين؟
وعلى سبيل الختم نقول: قد يكون من تقدير القائمين على الشأن الديني في المغرب، لاسيما وزارة الأوقاف بقيادة أحمد توفيق، محاولة صنع نمط خاص من التدين، سواء من خلال تنزيل برامج مختلفة كخطة تسديد التبليغ، وإكراه الأئمة والخطباء على فعل أشياء غير مقتنعين بها فقهيا، مع طرد كل المخالفين بتهم ومخالفات، حتى إن قبلنا بشرعيتها الفقهية، لا تحدث أي اضطراب في المجتمع ولا في فصفوف رواد المسجد كمخالفة الصلاة بالقبض وغيره؛ ولكن من المؤكد أن إصرار السير في فرض اجتهادات فقهية وعقدية محل نظر لن تزيد المصلين إلا بعدا واستهجانا لكل ما يأتي من الوزارة والمجالس العلمية، ما يعني توجيه عموم الناس البحث عن علماء ووعاظ غير الرسميين وصناعة معارضين جدد، ما يعني توسيع الفجوة واحتمال ردات فعل غير محسوبة؛ لذلك، إن لم يستفد أصحاب القرار من التاريخ وما عرفه من مأساة ومحن، فلا بد أن يؤسسوا بمنهجهم هذا لمحن جديدة ويرسموا في تاريخهم مهازل تحكى في الغد.































