يحتاج إقليم الحسيمة لسوسيولوجيين ومحللين نفسانيين لنبش تراب أرضه والتنقيب في ما خفي بقلوب وعقول الإنسان، بحثا عن جذور انتحار استفحل وحطم كل الأرقام في الإقليم، في السنوات الأخيرة، لعلهم يهتدون إلى علاج ناجع، يرسم خارطة طريق الخلاص من ظاهرة مؤرقة تعددت وتنوعت أسبابها المحتاجة للاستئصال. وأصبحت الظاهرة مقلقة، وتتسع رقعتها في المنطقة، ويتقبلها الجميع بصمت، دون أن يتم اتخاذ أي مبادرة من قبل السلطات أو المسؤولين، للبحث عن أسبابها قصد معالجتها، أو اتخاذ تدابير أو إجراءات لوضع حد لها.
تجاوز عدد حالات الانتحار بإقليم الحسيمة في السنوات الخمس الأخيرة 15 حالة، كانت آخرها تلك التي سجلت ببني بوعياش، أخيرا، بعدما تم العثور على جثة شاب، معلقة بحبل داخل محل كان يستأجره بالمدينة نفسها. وانتحر السنة الماضية خمسة أشخاص بالإقليم، ضمنهم حلاق في عقده الثالث، وضع حدا لحياته طعنا بسكين بالحسيمة في ظروف غامضة. وارتفعت حالات الانتحار بإقليم الحسيمة في السنوات الخمس الأخيرة، حيث سجلت مختلف المصالح الأمنية على امتداد تراب الإقليم العديد من الحالات من مختلف الأعمار ومن الجنسين، ضمنها نساء وشيوخ وشباب قدرت بحالة واحدة في كل نصف شهر، في ظل غياب إحصائيات رسمية.
ويترك المنتحرون وراءهم أسرارا لا يعلمها أحد، غير أن نسبة من هذه الحالات مرتبطة بأمراض نفسية أو عقلية أو لظروف عائلية، وكذا بعض الضغوطات، والنقص الحاصل في الصحة النفسية بالمنطقة، وحالة الهشاشة التي تعرفها مجموعة من الجماعات بالإقليم ذاته، ما جعل جمعيات مدنية وفاعلين جمعويين يطالبون في العديد من المناسبات بضرورة التدخل، من خلال رصد الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية أو عصبية تستدعي العلاج، أو الذين يمرون بظروف أسرية قاسية، أو تعرضوا لأزمات اجتماعية أو غيرها، والاتصال بالمسؤولين من أجل التدخل الاستباقي.
عوامل متعددة
كشفت بعض المصادر بالمنطقة، أن تقنين القنب الهندي، ومنع الأنشطة المرتبطة به، عمقا الأزمة الاقتصادية والنفسية لدى سكان المنطقة، بل ودفعا الكثير منهم إلى الانتحار.
وتؤكد بعض المصادر أن الإقليم، خاصة في جماعاته القروية، يفتقر لأنشطة تهدف إلى رصد ظاهرة الانتحار التي انتشرت في الإقليم بشكل لافت للانتباه، والتحسيس بعواملها والعمل للحد منها، الشيء الذي لا يدخل في صلب برامج واهتمامات المسؤولين وبعض الجمعيات وكذا المجالس المنتخبة.
وأشار أحد الاختصاصيين النفسيين بالحسيمة إلى تعدد الأسباب السيكولوجية الكامنة وراء استفحال آفة الانتحار، التي ازدادت أرقامها بشكل ملحوظ بإقليم الحسيمة، منها الفصام والاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب والإدمان وكل الاضطرابات الذهنية والتوتر والضغوط النفسية.
ويجعل غياب التنمية وواقع الغبن بالإقليم أبناءه بين سندان الفقر ومطرقة البطالة، مايفقد الكثير منهم بوصلة الاستقرار النفسي ويدفعهم للانتحار شنقا أوباستعمال مواد سامة أورمي النفس من علو مرتفع.
ووجهت إحدى الجمعيات نداء إلى المسؤولين إقليميا وجهويا ووطنيا، من أجل دعم كل المبادرات التي تستهدف محاربة هذه الظاهرة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال تسريع وتيرة إنجاز المشاريع التنموية، مؤكدة ضرورة تكاثف جهود المجتمع المدني، مع ضرورة الوعي بأن محاربة هذه الآفة أكبر من أن تقدر عليه جمعية وحيدة ومنعدمة الدعم.
ويتساءل العديد من المواطنين بالمنطقة لماذا لايفكر ذوو المال والجاه والنفوذ من أبنائها في إقامة مشاريع تستثمرها بشكل ينميها ويوفر فرص شغل لأبناء الإقليم، إنقاذا لهم من حبال أومواد سامة يستعملها بعضهم وسيلة لقتل النفس.
تعطيل مصلحة الطب النفسي
يعيش إقليم الحسيمة على وقع أزمة صحية جديدة، في ظل شبه توقف خدمات مصلحة الطب النفسي بالمستشفى الإقليمي، نتيجة غياب طبيب مختص في الأمراض النفسية، ماانعكس بشكل مباشر على ولوج المرضى للعلاج والرعاية اللازمة.
ويضع هذا الوضع مئات الأسر أمام تحديات يومية، في ظل ارتفاع الطلب على خدمات الصحة النفسية وتزايد الحالات المرتبطة بالاكتئاب واضطرابات القلق والفصام، ما قد يؤدي إلى الانتحار. واعتبر مهتمون بالشأن الصحي غياب طبيب مختص داخل هذه المصلحة يشكل خللا تدبيريا، بالنظر إلى أهمية هذا التخصص في المنظومة الصحية بهذا الإقليم، خاصة في سياق التحولات الاجتماعية والاقتصادية، التي تسهم في الاضطرابات النفسية والعقلية.
كما أن هذا الفراغ لا يقتصر على غياب العلاج فقط، بل يمتد إلى غياب التشخيص المبكر، وتعذر تتبع الحالات بشكل منتظم، ما قد يؤدي إلى انتكاسات صحية ذات تبعات اجتماعية خطيرة.
ودعا العديد من المهتمين المسؤولين عن القطاع الصحي بالإقليم إلى إيلاء الاهتمام للعلاج النفسي وتوفير الأدوية والقيام بحملات للعلاج تستهدف المرضى النفسيين والعصبيين، وما أكثرهم بالإقليم، على غرار الحملات الطبية الأخرى، وتوسيع العرض الصحي على المستوى النفسي، خاصة في ما يتعلق ببنيات الاستقبال، مطالبين بعض الأسر والعائلات بتتبع حالات أبنائهم الذين يعانون بسبب الاضطرابات النفسية ومراقبتهم والاهتمام بهم.
جمال الفكيكي





























