بقلم : عبد العزيز حيون
يعد الأذان في المملكة المغربية أكثر من مجرد نداء للصلوات الخمس، إنه بصمة حضارية، وتعبير أصيل عن الهوية الدينية والثقافية للمجتمع المغربي.
وعبر القرون، طوّر المغاربة أسلوبا فريدا في رفع الأذان يجمع بين الخشوع والوقار، والجمالية الفنية المستمدة من فنوننا الأصيلة والعريقة.
وفي ظل العولمة والانفتاح الرقمي الذي قد يهدد خصوصيات الروافد المحلية، تبرز حاجة ملحة لصون وتعميم طريقة الأذان المغربية الأصيلة على كافة مساجد المملكة، باعتبارها حصنا للامتداد الروحي المغربي وحمايةً لخصوصيته من “النمطية” العابرة للحدود.
وتلأذان بالطريقة المغربية يتميز بخصائص بنيوية ونغمية تجعله فريدا عن بقية الأساليب في العالم الإسلامي برمته، ويمكن إجمال هذه الخصوصيات أولا في أن المؤذن المغربي لا يعتمد على الارتجال بل ينبثق أداؤه من أسلوب خاص في الأداء، فالأذان يُرفع وفق طبوع ومقامات محددة، مما يمنحه نغما شَجيا يُريح النفوس ويربط العبادة بالجمال الإنساني.
ويتسم الأذان المغربي ،ثانيا، بالبطء والوقار والرزانة، بعيدا عن الصخب أو التطريب المبالغ فيه الذي قد يخرج اللفظ عن وقاره، وهو أداء يغلب عليه الخشوع الروحي والهدوء الذي يناسب جلال الشعيرة.
مبررات ودواعي التعميم على مساجد المملكة
إن الدعوة إلى توحيد وتعميم الأذان المغربي الأصيل في كل مساجد وجوامع المملكة لا ينحصر في الرغبة في التنميط الشكلي، وإنما هي خطوة استراتيجية تمليها عدة اعتبارات أهمها حماية الأمن الروحي والهوية الوطنية، فالمغرب يمتلك نموذجا دينيا متميزا يرتكز على العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف السني، ومن تم يعتبر الأذان بالطريقة المغربية المظهر الصوتي اليومي المتكرر لهذا النموذج.
وتعميم هذا الأسلوب يحمي الناشئة والمجتمع من المؤثرات السمعية الوافدة التي قد تحمل معها خلفيات ثقافية أو إيديولوجية مغايرة لطبيعة التدين المغربي الهادئ والمتبتل.
كما تعتبر صيانة الأذان المغربي جزءا من صيانة التراث الثقافي غير المادي للمملكة ويجب أن تُحمى “الهندسة الصوتية” للمجال العام المغربي، والتي يشكل الأذان عمودها الفقري.
ولا يمكن أن نغفل كذلك أن تعميم هذه الطريقة يتطلب الاستثمار في العنصر البشري، عبر فتح قنوات تكوينية للمؤذنين والشباب ذوي الأصوات الحسنة في المعاهد والمدارس المختصة، لتعلم قواعد الطبوع المغربية ومخارج الحروف السليمة، مما يرفع من قيمة هذه الوظيفة الشريفة.
وختاما، يبقى الأذان المغربي مرآة تعكس عمقالحضارة المغربية وذوقها الفني والروحي الرفيع ،و تعميمه وحمايته في كل شبر من أرجاء المملكة يعد واجبا وطنيا ودينيا، ليبقى صوت المساجد في المغرب متميزا برزانته، شجيا ببحته، ومحافظا على أصالة تضرب جذورها في عمق التاريخ.
كما أن الأذان بالطريقة المغربية، في كل مسجد من طنجة إلى الكويرة، هو رمز للتلاحم ،وهو النداء الذي يذكر المغاربة في كل وقت وحين بجذورهم العميقة، ويؤكد أن المساجد في المغرب هي أماكن للعبادة وأيضا قلاع حصينة لحفظ الأصالة، ونشر قيم السكينة والسلام عبر صوت يفيض بالجمال والخشوع.





























