بدأت خلال الأسابيع الأخيرة تتسع بإسبانيا ظاهرة نشر مقاطع مصورة تستهدف المهاجرين، وبخاصة أفراد الجالية المغربية، عبر تصويرهم في الفضاءات العامة، وتتبع تحركاتهم اليومية، ورصد أنشطتهم التجارية، مع التركيز على المحلات والمشاريع التي تحمل أسماء عربية. وتثير هذه الممارسات مخاوف متزايدة في الأوساط الحقوقية وبين أفراد الجالية، بالنظر إلى ما تنطوي عليه من مضامين تحريضية وتمييزية، وما قد تمثله من مساس بالحق في الخصوصية والكرامة الإنسانية.
وتأتي هذه الظاهرة في سياق يشهد تصاعدا لخطاب الهجرة داخل المشهد السياسي الإسباني، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث تحولت قضايا الهجرة والاندماج إلى أحد أبرز محاور التجاذب بين الحكومة والمعارضة. ويرى متابعون للشأن الإسباني أن تنامي المحتويات الرقمية التي تستهدف المهاجرين ينسجم مع مناخ سياسي يتسم بتشدد متزايد تجاه الهجرة، خاصة في الأوساط القريبة من اليمين، وهو ما انعكس على طبيعة الخطاب المتداول في عدد من المنصات الاجتماعية.
ولا يقتصر الأمر على تصوير الأشخاص داخل الشوارع أو وسائل النقل أو الفضاءات التجارية، بل امتد، وفق ما وثقته تسجيلات متداولة، إلى تتبع محلات ومقاولات يملكها مهاجرون، مع إبراز أسمائها العربية وربطها بخطابات تدعو إلى المقاطعة أو تقدمها في سياقات سلبية. ويرى متابعون أن هذا السلوك يتجاوز حدود التعبير عن الرأي، ليقترب من ممارسات قد تفضي إلى الوصم الجماعي والتحريض ضد فئة من السكان على أساس الأصل أو الانتماء الثقافي.
وفي هذا السياق، حذر عدد من صناع المحتوى المغاربة المقيمين بإسبانيا من تنامي هذه الممارسات، داعين أفراد الجالية إلى التعامل بوعي مع محاولات الاستفزاز الرقمي، وعدم الانجرار وراء محتويات تقوم على الإثارة واستهداف المهاجرين. كما اعتبروا أن تصوير الأشخاص أو تتبع أنشطتهم الخاصة والتجارية بقصد التشهير أو التحريض لا يخدم النقاش العمومي، بل يعمق الانقسام ويغذي الصور النمطية تجاه الجاليات الأجنبية.
وتكفل المنظومة القانونية الإسبانية، إلى جانب الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها إسبانيا، حماية الحياة الخاصة والحق في الصورة والكرامة الإنسانية، كما تجرم التحريض على الكراهية أو التمييز بسبب الأصل أو الجنسية أو الانتماء العرقي أو الديني. وتؤكد المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، أن لكل شخص الحق في الحماية من أي تدخل تعسفي في حياته الخاصة أو المساس بشرفه وسمعته، دون تمييز بين مواطن ومهاجر.
ويجمع متابعون على أن الاختلاف حول سياسات الهجرة يظل جزءا من النقاش الديمقراطي المشروع، غير أن تحويل المهاجرين إلى أهداف للملاحقة الرقمية، أو تصويرهم وتتبع حياتهم الخاصة وأنشطتهم الاقتصادية بسبب أصولهم، يثير إشكالات قانونية وحقوقية تتجاوز حدود المنافسة السياسية، وتمس مبادئ المساواة وعدم التمييز التي يقوم عليها النظام الدستوري الإسباني، وتفرض نقاشا متجددا حول مسؤولية الفضاء الرقمي في حماية الحقوق والحريات الأساسية.



























