لقد سبق الاشارة في مقالي السابق المنشور على أعمدة الصحف الوطنية ([1]) وكذا عبر عديد من الجرائد الالكترونية، في موضوع “أي إصلاح لأنظمة التقاعد في غياب المقاربة التشاركية مع النقابات” أن أنظمة التقاعد بالمغرب تتسم بالتعدد وعدم تقاربها والانسجام فيما يخص الجوانب المؤسساتية ونظام الحكامة ومقاييس العمل المعتمدة، وهذه الأنظمة وقف المجلس الأعلى للحسابات على اختلالاتها([2])، وعمل على اصدار تقرير([3])يتعلق بـ”منظومة التقاعد بالمغرب التشخيص ومقترحات الاصلاح”، حيث خلص التقرير إلى ضرورة التعجيل بالقيام بمسلسل من الاصلاحات العميقة لنظام التقاعد على المدى القصير والمتوسط والطويل، كما خصص مجلس النواب([4]) جلسة عمومبة لمناقشة العرض الذي تقدم به الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات.
وحسب تقرير المجلس فإن وضعية الانظمة الأكثر هشاشة ستزداد سوء إذا لم تتدخل السلطات العمومية بشكل عاجل للقيام باصلاحات شاملة وعميقة وجريئة.
كما أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عمل على بلورة توصيات تسعى إلى تحسين واستكمال التدابير المقترحة من قبل الحكومة، بحيث خرج مباشرة بعد الاضراب الوطني الذي شهده المغرب يوم 29 نونمبر2014، بتقرير مفصل بشأن المعاشات المدنية، الذي أكد فيه على أن المقاربة المنهجية لا تقتصر فقط على التدابير المقياسية لنظام المعاشات التي تقترحها الحكومة، بل يوجه تحليله في اتجاه إغناء رؤية مهيكلة ومتكاملة لإشكالية منظومة التقاعد بالمغرب، عبر دراسة مختلف جوانبها، وذلك في ضوء رهانات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتضامن والإنصاف الاجتماعيين والحفاظ على مصالح الأجيال القادمة.
وإشكالية منظومة التقاعد لا تتعلق بالمغرب فقط، بل هي إشكالية عالمية تفرض نفسها بإلحاح، باعتبارها أولوية سياسية واقتصادية و اجتماعية في عديد من دول العالم.
إن أنظمة التقاعد بالمغرب المتنوعة، تم إنشاء كل واحدة منها في مرحلة معينة، بهدف تغطية شريحة خاصة من الساكنة، إلا أن تغطية هذه الأخيرة نسبتها ضعيفة، حيث أن مجموع الأنظمة (حسب تقرير المجلس الأعلى للحسابات) لا تغطي سوى 33% من مجموع الساكنة النشيطة، أي ما يناهز 3.4 مليون نسمة من أصل 10.5 مليون نسمة، وهذا النقص في الانخراط يرجع بالأساس لسببين، الأول، مرتبط بعدم تصريح المشغلين بأجرائهم في القطاع الخاص، والثاني، عدم استفادة غير الأجراء والموظفين والمستخدمين من أي تغطية في مجال التقاعد، أمام إنتشار الاقتصاد الغير المهيكل.
وهذه الأنظمة المتنوعة والمختلفة أحدثت خلال فترات وبشكل تدريجي والتي امتد من سنة 1930 إلى سنة 1977.
وبرجوعنا لهذه الأنظمة الرئيسية الأربعة، فإننا نجد كل من الصندوق المغربي للتقاعدCMR الذي أنشأ سنة 1930، والصندوق المهني المغربي للتقاعدCIMR الذي أحدث سنة 1949، و الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي CNSS الذي أدث سنة 1956، والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد RCAR الذي أنشأ سنة 1977.
وعلى غرار الأنظمة الأربعة السالفة الذكر، نجد عدة مؤسسات عمومية عملت على إحداث صناديق تقاعد داخلية خاصة بمستخديمها، والتي اتسمت بغياب التدبير السليم لتوازناتها وباحتياطات مالية غير كافية لتأمين الالتزامات، وفي بعض الحالات، شكلت هذه الانظمة الداخلية عبئا ثقيلا على التوازنات المالية للمؤسسة المعنية، وقد بذلت منذ التسعينات، مجهودات مهمة من أجل إغلاق هذه الصناديق الداخلية لبعض المؤسسات العمومية –حسب تقرير المجلس الاعلى للحسابات-.
وكذلك بعودتنا إلى مقالنا السابق الذي تحدثنا فيه عن مقترح إصلاح الصندوق المغربي للتقاعد CMR أمام ما عرفه هذا الأخير من اختلالات مالية وهيكلية، وكذلك ما عرفه هذا المقترح الذي تقدمت به الحكومة يوم فاتح غشت 2014 على أنظار المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في غياب لأي مقاربة تشاركية مع النقابات، من رفض داخل الحركة النقابية المغربية، ومدى الانعكاسات الناتجة عن قرارات الحكومة الفردية في شأن إصلاح التقاعد، من مسيرات واحتجاجات وإضرابات، فإننا سنتعرض في هذا المقال لنظام التقاعد التكميلي الاختياري أي الصندوق المهني المغربي للتقاعد CIMR الذي أدرج ضمن أعمال اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد(أولا) و مدى إستنفاذ الصندوق لإحتياطاته المالية (ثانيا)، ثم كذلك مدى امكانية لعب نظام هذا الصندوق التكميلي لدور نظام صندوق أساسي وإجباري(ثالثا).
الصندوق المهني المغربي للتقاعد CIMR
أحدث الصندوق المهني المغربي للتقاعدCaisse Interprofessionnelle Marocaine de Retraite (CIMR) سنة 1949، على شاكلة جمعية لأرباب العمل، ويعمل حاليا طبقا لمقتضيات الظهير الشريف رقم 376-58-1 الصادر بتاريخ 15 نونمبر 1958 الذي يضبط بموجبه حق تأسيس الجمعيات كما تم تعديله وتتميميه بالقانون رقم 75.00.
والجمعية تطبيقا للفصل الأول من الظهير الشريف هي ((اتفاق لتحقيق تعاون مستمر بين شخصين أو عدة أشخاص لاستخدام معلوماتهم أو نشاطهم لغاية غير توزيع الأرباح فيما بينهم.
وتجري عليها فيما يرجع لصحتها القواعد القانونية العامة االمطبقة على العقود والالتزامات)).
ووفقا للمادة الأولى من النظام الأساسي للصندوق المهني المغربي للتقاعد CIMR، فإن الصندوق يهدف إلى تدبير نظام المعاشات لفائدة العاملين المأجورين، أو عند الاقتضاء لفائدة الفئة المحدد في عقد الانخراط مع الأشخاص المأجوين أو المعنويين المشغلين للعمال المأجورين.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يعمل الصندوق المهني المغربي للتقاعد CIMR على جمع وتلقي المساهمات الخاصة بالمشغلين والأجراء وتقديم خدمات المعاشات للمنخرطين، وكذلك استثمار ودائع الصندوق في القيم والمنقولات والثابتة كامتداد لأنشطة الصندوق، إضافة إلى كل ما من شأنه المساهمة في تحقيق أهداف الصندوق.
وقد جاء نظام الصندوق المهني المغربي للتقاعد CIMR لمنح تغطية تكميلية لفائدة مستخدمي القطاع الخاص ذوي الأجر الشهري، حيث يعمل على تسيير نظام تكميلي اختياري لصالح أجراء القطاع الخاص، ويضمن للمنخرطين معاشات الشيخوخة وذوي الحقوق وكذا الامتيازات العائلية للمستفيدين من المعاشات.
لقد أصبح الصندوق المهني المغربي للتقاعد CIMR بحكم الواقع نظاما تكميليا إختياريا لنظام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعيCNSS.
إن النظام الذي يدبره الصندوق المهني المغربي للتقاعد CIMR يعتبر نظام معاش تكميلي ذو طابع إختياري يعتمد على اشتراكات محددة طبقا لنظام النقط، بحيث منذ أواخر الستينات يعتمد الصندوق المهني المغربي للتقاعد CIMRعلى نظام النقط، الذي يصرف عند احالة المنخرط على التقاعد، وذلك بناء على التقييم السنوي للنقاط التي راكمها المنخرط([5]) طيلة مدة إشتراكاته.
ويقترح الصندوق المهني المغربي للتقاعد طريقيتين لتصفية المستحقات، إما التخلي مع استرجاع رأس المال أو التخلي مع الحق في المعاش، وتتم إعادة مراجعة قيمة المعاشات بقرار صادر عن مجلس إدارة الصندوق .
أولا: ملف الصندوق ضمن أعمال اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد
فضلا عن أن الصندوق المهني المغربي للتقاعد CIMR يعتبر جمعية وخاضعة لقانون الجمعيات، فقد أدرج ملف الصندوق ضمن أعمال اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد، في الوقت الذي لا يخضع للمقتضيات القانونية الواردة في مدونة التأمينات رقم 99-17.
وقد سبق للجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد أن تقدمت بهذا الاستثناء لمدة سنتبن في انتظار الاصلاح، لكن البرلمان بغرفتيه صادق على حذف مهلة سنتين، وجاءت المادة 339 بمقتضى القانون رقم 09.03 كما تم تعديله بالقانون رقم 17.99 المتعلق بمدونة التأمينات تنص على أنه ((لا تطبق أحكام هذا القانون على “جمعية تسيير الصندوق المهني المغربي للتقاعد” الكائن مقرها بالدارالبيضاء، 100 شارع عبد المومن، إلا إبتداء من فاتح يناير 2008.
يجب على الجمعية السالفة الذكر الإدلاء سنويا للإدارة بالبيانات المتعلقة بوضعيتها المالية ابتداء من تاريخ نشر هذا القانون وإلى غاية 31 دجنبر 2007 )).
يظهر جليا أن الصندوق المهني المغربي للتقاعد CIMR لا يخضع لإطار قانوني ملائم، مما أصبحت معه هذه الجمعية غير خاضة لمراقبة السلطات العمومية، لأنه بعد إصدار القانون 17.99 السالف الذكر، تقرر عدم إخضاع الصندوق المهني المغربي للتقاعد لمجال تطبيق مدونة التأمين، طبقا لقانون 02.08 الذي نص كذلك على أن قانونا سيصدر لتحديد شروط مراقبة الدولة لهذا الصندوق وهو الأمر الذي لم يتحقق بعد بحسب تقرير المجلس الأعلى بشأن منظومة التقاعد بالمغرب.
غير أنه أمام ما تعرفه أنظمة التقاعد من اختلالات مالية وهيكلية ومدى ديمومتها، أوضحت الدراسات الاكتوارية أن الوضعية المالية للأنظمة الأساسية غير متوازنة، كما أن استنفاذ احتياطيات صناديق التقاعد حسب ما أوضحته التقارير والدراسات على أنه سيؤدي لا محال إلى اثار سلبية ووخيمة على الاقتصاد الوطني والاسواق المالية، وكذا على تمويل الخزينة العامة، لكون قسط مهم من ديونها ملك لهذه الصناديق.
ثانيا: مدى إستنفاذ الاحتياطات المالية للصندوق المهني المغربي للتقاعد
إذا كانت الاحتياطات المالية للصندوق المغربي للتقاعدCMR ستعرف إنخفاضا لتصبح سليبة ابتداء من سنة 2021، فإن الصندوق المهني المغربي للتقاعدCIMR لن تستنفذ احتياطاته، وديمومية هذا النظام إلى أمد يفوق 2060، وهذا بفضل الاصلاحات المنجزة خلال سنة 2003، والتي ترتكز على أساس تخفيض المردودية من 14 بالمائة إلى 10 بالمائة والرفع من واجبات الانخراط غير المضرة للحقوق من مساهمات أرباب العمل من 10 بالمائة إلى 30 بالمائة، وحذف التعويضات العائلية الممنوحة للمتقاعدين، والاستغناء عن المراجعة الآلية لقيمة المعاشات وتحديدها على أساس الوضعية المالية للنظام ضمن الضوابط المعتمدة لقيادته، واعتماد ميثاق لتدبير النظام ومأسسته في إطار أنظمته الأساسية.
وقد بلغت احتياطات النظام سنة 2011 ما مجموعه 24.849 مليار درهم، حيث عرفت نهاية هذه السنة تسجيل حوالي5.120 شركة منخرطة في هذا النظام، وفي نفس السنة وصل عدد المنخرطين إلى 283.567 أما عدد المستفيدين فقد بلغ 136.202، حسب تقرير المجلس الاعلى للحسابات.
وفضلا عن ذلك، لقد أوضح المجلس الاعلى للحسابات في تقريره الأخير([6])، على أن نظام التقاعد التكميلي الذي يتولى الصندوق المهني المغربي للتقاعدCIMR تسييره يتضمن عدة مخاطر مرتبطة بطبيعة النظام نفسه، حيث أن اعتماده على نظام التوزيع، تظل استمراريته رهينة بانخراط مساهمين جدد، كما أن الطابع الاختياري لهذا النظام لا يضمن دوام هذه الوضعية بشكل مستمر.
لكن، ماذا عن الصندوق المهني المغربي للتقاعدCIMR الذي انتقل في الثمنينات وفي بعض الحالات من نظام تكميلي إختياري إلى نظام أساسي إجباري، ففي هذه الصدد نتساءل، هل يمكن أن يكون الصندوق المهني المغربي للتقاعد كنظام تكميلي بديلا لنظام تقاعد أساسي وإجباري وخاصة في الحالة التي لا تتوفر المؤسسة على أي نظام تقاعد اساسي واجباري؟
ثالثا: الصندوق المهني المغربي للتقاعد من نظام تكميلي إلى نظام أساسي إجباري
سبق وأن اشارنا إلى أن الصندوق المهني المغربي للتقاعدCIMR بحكم الواقع أصبح نظاما تكميليا واختياريا، وقد جاء هذا النظام لمنح تغطية تكميلية لفائدة مستخدمي القطاع الخاص ذوي الأجر الشهري، أي































