نجيم حيدوش / ناشط حقوقي
يعيش المغرب كما العالم حالة استثنائية نتيجة ظهور وانتشار فيروس كورونا المستجد 19، هذا الوضع المستجد فرض إعلان حالة الطوارئ بأغلب دول العالم رغم اختلاف مستويات الإجراءات وتعقيدها ، وترتبت عن هذه الإجراءات تغيرا على مستوى المراكز القانونية للأشخاص مما يحتم اتخاذ إجراءات حمائية ووقائية تضمن التمتع بالحقوق والحريات دون المساس بها، وبخاصة الفئات الهشة. وبالمغرب ، ومن ضمن هذه الإجراءات المتخذة من أجل حماية فئة معينة من الفيروس، أقر وزير العدل المغربي عملية “التقاضي عن بعد” من خلال استعمال تقنية الفيديو ، هذا القرار حسب وزير العدل تم بتنسيق مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة والمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج. هذا الإجراء – التقاضي عن بعد – أثار نقاشا وردود فعل مختلفة ومتباينة بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين، والفاعلين الحقوقيين، كما أثار كذلك إشكاليات مهمة ترتبط بمدى احترام هذا الإجراء لضمانات المحاكمة العادلة، والسند الدستوري لهذا الإجراء ، كما يسائل هذا الإجراء مدى توفر الإمكانيات الرقمية بالمؤسسات السجنية ومحاكم المملكة والموارد البشرية. وفي خضم تفعيل المحاكمات عن بعد ، انبرت النقابات المهنية لموظفي كتابة الضبط برفضها للمهام الموكولة لهم ضمن هذا الإجراء ، حيث أنيط بموظفي كتابة الضبط الولوج للمؤسسات السجنية للتأكد من هوية المعتقل المعني، وإثبات حقيقة مثوله أمام الجلسة، وقد اعتبر موظفوا الضبط أن هذا التكليف خارج أي ضابط قانوني أو مهني، كما اعتبروا هذا الاجتهاد عار من أي سند قانوني ويعرض سلامة الأطر للخطر و الإصابة بالوباء، وعمليا فقد نفذ أطر كتابة الضبط رفضهم ولم يلتحقوا بالمؤسسات السجنية. وأمام ظهور بؤر وبائية بعدد من المؤسسات السجنية، أصدرت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بلاغ يقضي بعدم السماح لانتقال السجناء للمحاكم لمدة شهر كامل، البلاغ جاء بصيغة أحادية دون التنسيق مع رئاسة النيابة العامة والرئيس المنتدب للسلطة القضائية، وهو ما أثار تساؤلات منطقية لكثير من المتابعين والمهتمين وبدرجة كبيرة هيئة الدفاع، حيث اعتبروه قرارا فوق سلطة القانون والمؤسسات. بلاغ المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج ، وعدم الاستشارة مع الهيئات المهنية للمحامين بالمغرب وتقزيم دورهم في هذا الإجراء ، أجج الهيئات المهنية للمحامين، حيث عبرت نقابة المحامين في بلاغ لها ، أن قرار المحاكمات عن بعد يتنافى والمقتضيات الدستورية بشأن احترام الحقوق والحريات الأساسية ( ف 19) وعدم جواز متابعة أي شخص أو إدانته إلا طبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون (ف 23 ) والحق في محاكمة عادلة وضمان حقوق الدفاع (ف 120 ) وعلنية الجلسات (ف123)، كما تم التنبيه لخطورة اعتماد المحاكمة عن بعد لتجهيز القضايا دون استيفاء المساطر القانونية المؤطرة للمحاكمات ، ولاسيما المتعلقة بحقوق الدفاع من قبيل الاستماع إلى الشهود وإجراء الخبرة والبث في الدفوع الشكلية والعارضة والأولية. من جهتها عبرت هيئة المحامين ، القنيطرة، الناظور- الحسيمة، الرباط عن رفضها الاستفراد باتخاذ القرارات وتغييب هيئة الدفاع، وتوجيه الأجهزة المهنية للتنفيذ وفقط، كما اعتبروا أن التقاضي عن بعد يمثل مساسا خطيرا بمفهوم وضمانات المحاكمة العادلة التي تقتضي الحضورية و المواجهة ، كما اعتبرت الهيئات أعلاه، أن إجراء المحاكمات عن بعد فيه مساس كبير بحقوق المعتقلين في التخابر مع دفاعهم وبحق المحامي في أن يسلك الطريقة التي يراها ناجعة في تدبير قضيته وتهيئ وسائل دفاعه. وعلى المستوى الحقوقي، فقد أبان البلاغ الأحادي للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج الذي أقرت فيه حرمان المعتقلين لمدة شهر من المثول أمام المحاكم عن ضبابية غير مفهومة عند عدد من النشطاء الحقوقيين والمهتمين ، حيث اعتبروها- المندوبية – غير ذي اختصاص في الموضوع ، حيث الاختصاص يعود للسلطة القضائية، باعتبار أن المشرع الدستوري أوكل للمجلس الأعلى للسلطة القضائية مراقبة أسس العدالة بشكل عام، وكذلك ضمان حقوق المتقاضين. نفس الصمت سجل على مستوى رئاسة النيابة العامة فلم يصدر بلاغ في الموضوع بعد بلاغ المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج؟؟ وبالرجوع إلى المعايير الأساسية للمحاكمة العادلة وضمنها :العلنية والحضورية ، وضمان حقوق الدفاع، ومؤازرة المحامي، والحق في الصمت، والمحاكمة في أجل معقول مناسب ، وعلاقة بالتقاضي عن بعد ، وأمام ما تم تسجيله لحدود يومه، فهذه المعايير تغيب في جزء كبير منها، مما يشرعن للطعن في المقررات القضائية الصادرة عن محاكم المملكة في هذه الفترة ويجعلها موضوع للمساءلة والانتقاد والرفض لأن فعل المحاكمات عن بعد غير ذي سند دستوري قانوني. ففرنسا ورغم وجود غطاء قانوني لإجراء المحاكمة عن بعد استنادا للمادة 71-706 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي، فالمجلس الدستوري في قراره الصادر في شتنبر 219 أقر بعدم دستورية إجراء التقاضي عن بعد دون موافقة المعتقل ( ذ.البورياحي ). وأمام هذا الوضع المؤسف، تضيع حقوق المتقاضين وبخاصة المعتقلين (احتياطيا)، كما تضيع أسس العدالة وثقة المواطن بالمؤسسات، علما أن أساس الملك هو العدل.































