نوفل البوستاني
في الوقت الذي تقترب »احتجاجات الحسيمة«، أو الريف عموما، من إطفاء شهرها الثامن ، ما تزال بعض الأحزاب – التي تسمي نفسها »أحزاباً وطنية« أو التي خرجت للوجود ب»التبني« – تجتر معزوفتها المشروخة والمتباكية، لما يقرب من سنتين، حول »صناعة الخريطة الانتخابية«، وكأنها بُرمِجت على قياس »سقوط الطائرة في الحديقة «.
وفي الوقت الذي يفترض في هؤلاء التفكير والإبداع والتنافس في تقديم مقترحات وحلول لتوحيد الكلمة وتجنيب منطقتنا، (ووطننا ككل)، ما ينكأ جروحها القديمة، ويضيف إلى »سجل أحزانها« جروحا جديدة، تراهم يركبون على أمواج المزايدات العقيمة.
ومن يقرأ ما نشرته جريدة الصباح يوم 08/06/2017 حول لقاء رئيس الحكومة مع منتخبي جهة طنجة تطوان الحسيمة، سيتأسف لأناس، يعتبرون من نخبة إقليم الحسيمة، توقفت عقارب ساعاتهم في شتنبر 2015، وسيحس بأنهم أشبه بأهل الكهف، وسيتأكد من مدى صحة وصفهم ب»يتامى الانتخابات«. فهم ما يزالون يتباكون على نتائج الانتخابات التي »قذفت بهم إلى الهامش« متهمين »صناعة الخرائط« بمسؤوليتها في »قذفهم« إلى الهامش، ويتمتهم، وما يزالون قابعين في خيمة العزاء ينتحبون عن مقاعد ومنافع ضاعت منهم !
والحقيقة، أو جزء من الحقيقة، يعود السبب إلى سرعة زمن جديد بهياكل جديدة وأفكار جديدة بخطاب جديد، متشبع بروح المواطنة يروم خدمة المواطن، بعيدا عن بلاغات »الوطنية العصماء« الصادرة عن »الأحزاب« التي ورثت أو احتكرت »الوطنية« وترفض أن تعترف، وبتواضع، بأنها أصبحت عجائزاً، متدثرة في هياكل مهترئة وبطيئة الحركة، ولم يتبق لها سوى »أمجادا غابرة« تتغنى بها لحظة كل نكبة تصيبها أو تحصدها لقاء ما جنت في حق الشعب.
وحتى لا نطيل، سنركز هنا، على الاستقلالي نور الدين مضيان (البرلماني الرابع عن دائرة الحسيمة)، الذي يقترب أن يكون من أكبر المعمرين بقبة البرلمان، لننبه إلى بعض الأكاذيب الممنهجة المغلفة بديماغوجية فجّة، أخَفُّ ما يمكن وصفها به: »حق أريد به باطل« حين يلتمس من »الحكومة تطبيق الديمقراطية لحل مشاكل المجتمع والابتعاد عن صناعة مشوهة للخرائط الانتخابية« !
إن دوافع احتجاج شباب المغرب اليوم لا علاقة لها ب”الخرائط الانتخابية”، وإنما له علاقة بالحكرة التي تراكمت بفعل الغلاء وغياب فرص الشغل ومظاهر البذخ في المهرجانات وملفات الفساد التي يخرج منها أصحابها سالمين غانمين. أما الاحتجاج الذي له علاقة بالخرائط الانتخابية فلا أتذكر منها سوى ساكنة بوزنيقة سنة 1993 إبان الانتخابات التشريعية.
أما السيد مضيان فهو يكذب حين يقول بأن الاحتجاجات مقتصرة فقط على دائرة بني ورياغل. لأن بلدية ترجيست تشهد بدورها احتجاجات وكذلك جماعة اساكن وهما من دائرة ترجيست، وكذلك ببني بوفراح التي اشتهرت مؤخرا ب”تدخل” قائد بني اجميل بكلام نابي ضد الحتجين.
يقول مضيان، عن تجاهل تدليسي، بأن دائرة بني ورياغل تضم 12 جماعة، بينما الصحيح هو 17 جماعة ترابية، ضمنها 4 بلديات وخمسة منها لا يسيرها البام.
وعلينا الانتباه إلى مسألة مهمة وهي: إن كان البام اليوم يسير 23 جماعة، فهذا الوضع لم يبدأ سوى مع أواخر 2015، مع العراقيل التي واجهت العمل الجماعي بسبب تأخر المراسيم التي ستفعل القوانين الجماعية الجديدة. أما قبل ذلك، أي في 2009، فلم يكن يسير سوى 9 جماعات، ومنها 7 فقط تنتمي لدائرة بني ورياغل وضمنها فقط بلديتان: الحسيمة وأجدير. أما قبل 2009 فلم يكن الحزب وجود أصلاً.
إذن، علينا أن نتساءل من كان يسير هذه الجماعات من »الأحزاب الوطنية التي لها امتداد جماهيري«؟ (ولا ندري أي حزب كان له امتداد جماهيري بالريف قبل حزب البام)؟ ألم تكن هناك احتجاجات قبل شتنبر 2015 بترجيست التي كان يسيرها حزب الاستقلال، والتي كانت تعتبر من قلاعه المحصنة؟ لنتساءل عن جماعتي بني عمارت وسيدي بوزينب اللتان تعتبران »محفظتان« في اسم عائلة مضيان لصالح حزب الميزان، ونرى أي تنمية تحققت بهما؟ واللتان تعيشان تهميشا وفقرا مدقعا، وتعرفان هجرة مكثفة ويعرف السيد مضيان أن جماعة بني عمارت تم تخفيض عدد أعضاء مجلسها الجماعي بسبب انخفاض سكان الجماعة بسبب نزيف الهجرة، فليس هناك ما يحفز على الاستقرار. ليخبرنا عن وضع هاتين الجماعتين تلك الشخصيات (الرسمية والمنتخبة) التي تتقن وضع ربطة العنق، وتزور جماعة سيدي بوزينب لقراءة الفاتحة على شهداء جيش التحرير في ذكرى 20 غشت !!
لنتساءل عن جماعتي بني حذيفة وبني عبد الله اللتان يسيرهما ممثلي حزب الاستقلال، وتنتميان لدائرة بني ورياغل واللتان تشهدان تظاهرات احتجاجية يومية؟
ولنتساءل: ألن تنتهي معزوفة »الأحزاب الوطنية«؟ إن معضلة اليوم التي يعترف بها الجميع، هي فقدان »الثقة في المؤسسات«، ألم تساهم فيها وفي تفاقمها هذه الأحزاب المسمات »وطنية«؟ هل سينسى الريفيون مسؤولية حزب الاستقلال في أحداث 1958-1959؟ هل ينسى المغاربة تناقض خطاب هذه الأحزاب مع ممارساتها؟ هل ينسى المغاربة أن عبارة »أرض الله واسعة« واجهت بها قيادات هذه الأحزاب قواعدها المطالبة بالديمقراطية الداخلية؟ هل ينسى المغاربة أن »حزبا وطنيا« قبل التزوير لصالحه في 1997؟ هل ينسى المغاربة أن حزب الاستقلال في 2002 رفع شعار »مول النوبة« فساهم في الخروج عن »المنهجية الديمقراطية«؟ هل ينسى المغاربة أن منتخبين من هذه الأحزاب أصبحوا فجأة مليونيرات وحمتهم قيادات هذه الأحزاب؟ ! …..
في الختام، نقول للسيد مضيان الذي يدعي أن »الأحزاب الوطنية لها امتداد جماهيري«، هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، أظهروا للرأي العام قوتكم الجماهيرية؟ أما حزب الأصالة والمعاصرة فرغم عيوبه وأخطائه، وعليه تصحيحها، يبقى أفضل من حزبكم بكثير. ومغرب اليوم يحتاج إلى أحزاب مواطنة































