عبد القادر الجنابي: من هو العفيف الأخضر، أي أحلام كانت له وهو في مطلع شبابه؟
– توفي أبي وعمري 13 عاماً وكانت صدمة مروعة لم أنجح في إقامة الحداد عليه ربما حتى الآن، مات أبي في كوخنا المعزول، وعندما عدت إلى العاصمة تونس لمواصلة سنتي الثانية في التعليم الزيتوني كنت أذهب كل مساء إلى “سوق العصر” الذي يأتيه الفلاحون من إحدى الاحياء الفقيرة جداً “الملاسين” التي يسكنها الريفيون النازحون. وكلما رأيت فلاحاً يرتدي برنوساً ركضت لأنظر إليه من أمام عسي أن يكون هو أبي الذي دفنته بنفسي في مقبرة القرية. يعني ذلك أنني لم أصدق موته وهي حالة تقود عادة إلى الجنون.
كيتيم مفجوع اندفعت أبحث عن أب بديل أتماهي معه. تماهيت بالشيخ الفاضل بن عاشور الذي كان يأتي إلى الزيتونة في الساعة العاشرة يعطي درسه في حلقة التعليم العالي. وكان يمر على حلقتي، في الثانوي، فكنت أقوم من الحلقة وألتحق بحلقته غير مبال بالصفر الذي سيضعه الشيخ أمام أسمي عقاباً لي عن تركي حلقته. لاحظ الشيخ الفاضل ذلك فتعاطف معي وتوطدت العلاقة بيننا وبات يعاملني كأحد طلبة حلقته رغم أن الفارق بين حلقتي وحلقته خمسة سنوات. في الوقت ذاته تماهيت بطه حسين إلى درجة الذوبان فكنت أضع عصابة على عيني كما لو كنت أعمي وأرتجل أمام زميل لي هو الهادي بالأخضر مقلداً طه حسن. في 1954 تماهيت ببورقيبة فاندفعت بحماس بل ربما بتعصب عن خطه السياسي. وعندما أصدر غداة الاستقلال 1956 قوانين الأحوال الشخصية لتحرير المرأة التونسية من قصورها الأبدي، رد عليها شيوخ وخريجو الزيتونة بالتكفير تحمست أنا لها إلى درجة أنني في محافظتي النائية والمتأخرة جداً ثقافياً واقتصادياً وفكرياً كنت أخرج مع خلية حزب الدستور، حزب بورقيبه، إلى القرى والدواوير لأفسر لهم مزايا هذه القوانين الجديدة وعدم مجافاتها لروح الإسلام. كان ذلك خلال الإجازة المدرسية وكان لذلك صدى طيباً. وفي الوقت ذاته وعيت خطورة التعليم الديني العتيق فكتبت مقالات في جريدة “العمل” في صفحة الشباب مطالباً بغلق جامع الزيتونة ودمج التعليم الزيتوني العتيق في التعليم الحديث الذي ورثته تونس المستقلة عن فرنسا، وفعلاً بعد بضعة شهور أصدر بورقيبه قراراً بتوحيد التعليم وغلق الزيتونة. ولكن شيوخ الزيتونة الذين لم يصلوا إلى سن التقاعد وكذلك خريجوها الشباب تم إلحاقهم بالمدارس الحديثة كمدرسين لتعليم الدين وعلوم القرآن، فكانت النتيجة كارثية لأنهم درسوا المناهج الجديدة بعقليتهم وبضاعتهم الفقهية العتيقة. وهكذا غدت المدرسة التونسية التي كانت نسخة طبق الأصل من المدرسة الفرنسية ، بسببهم، مدرسة تقليدية وسلفية هي التي أنجبت معظم قادة وكادر ومناضلي وجمهور الحركة الأصولية التي نادت بإعادة فتح الزيتونة وبالتراجع عن قوانين الأحوال الشخصية .
سرعان ما قتلت الأب بورقيبة بسبب حكمه الفردي وولائه للغرب إضافة إلى أسباب ذاتية أخرى .. لكنني بقيت وفياً لإنجازاته الحداثية النادرة النادرة في أرض الإسلام: في سنة 1969 حضرت اجتماع مجلس وزراء جنوب اليمن فنصحتهم بدلاً من الاشتراكية الماركسية اللينية باتخاذ اجراءات حداثية منها إصدار قانون أحوال شخصية كالقانون التونسي فقال لي سالم ربيع رئيس الجمهورية مازحاً : هل أنت سفير لبورقيبه أم معارض له؟، فأجبته: الاثنان معاً. فطلب من وزير الخارجية أن يطلب من سفير تونس في عدن تزويدهم بنسخة من “مجلة” [قوانين الأحوال الشخصية التونسية] وفعلاً صدرت بعد ذلك قوانين شخصية يمنية مشابهة جداً للقوانين الشخصية التونسية. أما الأبوان الآخران فلم أقتلهما حتى الآن.
كان حلمي منذ أن قرأت “الأيام” في سن 17 أو 18 سنة أن أصبح نسخة من طه حسين وكنت أقرأ أيامه وأنا أكتب ذهنياً “أيامي” الخاصة، الحلم الأساسي إن لم يكن الوحيد الذي داعب خيالي في هذه السن هو أن أصبح كاتباً شهيراً ومستور الحال. ففقري المدقع أصابني منذ الطفولة بجروح نرجسية صاغت قناعاتي السياسية منذ الشباب وحتى الآن، فأنا اعتبر أن فقر أكثر من ثلثي الإنسانية شاهد إدانة على حضارة الإستهلاك: الشمال يستهلك الفرد 90 كيلو لحم سنوياً وهو لا يحتاج إلا إلى 9 وفي الجنوب لا يأكل الفرد من اللحوم كفاية. أجدني أردد لا شعورياً في الحمام مثلاً هذا البيت:إذا قتل الفقر اليتيم ولم يجد معيلا / فإن الموسرين جناة
طبعاً أعي الآن أفضل الأسباب الموضوعية لهذا الفقر الكوني: الانفجار السكاني. لكن ذلك لا يعفي أغنياء العالم دولاً وشركات وأفرادً من خطيئة عدم التفكير في نزع فتيل قنبلة الانفجار السكاني.
* عبد القادر الجنابي: ماذا تبقى اليوم من ماركسيتك التي اعتنقتها ودافعت عنها طوال السبعينات .. وأي دور لها على منهجك النقدي اليوم؟
– فقري الذي مازال رفيق حياتي كان وربما مازال وراء قناعاتي الماركسية التي وصلت إليها في 1963 آتياً من الوجودية والناصرية. كان ذلك في مناخ جزائر ما بعد الاستقلال بكل شعارات التسيير الذاتي الاشتراكي التي كانت بمثابة فعل إيمان لكل مناضل يساري .. إذن لم أكن مدفوعاً بقناعات نظرية عميقة بل بغريزة طبقية فقط. ضغينتي على الأغنياء الذين جرحوا نرجسيتي أي أذلوني في طفولتي ومراهقتي أسقطها على أغنياء العالم الذين وجدت أخيراً لهم اسماً شبه سحري: البرجوازية . مثلما أن الشهية تأتي خلال الأكل كما يقول المثل الفرنسي، فقد بلورت قناعاتي النظرية بعدما آمنت سلفاً بالماركسية. ولكن قد أظلم نفسي إذا قلت إن قناعاتي كانت محض فعل إيمان أي خالية من كل روح نقدي. منذ الستينات بدأت أتساءل عن مدى اشتراكية المعسكر الاشتراكي. مكنتني هجرتي الأوربية الثانية بعد الانقلاب العسكري على الرئيس بن بيلا 1965 من زيارة تشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية اللذين وجدتهما أشبه بالمعتقل لسكانهما منهما بالمجتمع. قالت لي فتاة تشيكوسلوفاكية عاملة عندما سألتها إن تعّرف لي النظام الذي يحكمها: “نظاماً فاشياً” أما في ألمانيا الشرقية وقد كنت يومياً أستمع إلى نكات العمال على حساب “جنة الاشتراكية الألمانية”. في برلين الغربية كنت في حانة نحتسي البيرة فسألت مجموعة من العمال الشباب عن رأيهم في الماركسية فقتادني أحدهم إلى خارج الحانة وأشار بسبابته إلى جدار برلين الشهير قائلاً:”هذه هي الماركسية.. في الحقيقة كانت أوهامي عن الماركسية اللينينية في الاتحاد السوفيتي والصين وكوريا إلخ والأحزاب الشيوعية في العالم العربي والعالم قد تلاشت قبل ذلك. دخلت مع المعسكر الاشتراكي والأحزاب الشيوعية العربية في سجال عنيف. وردوا إليّ الصاع صاعين فاتهموني في 1967 بأني عميل لألمانيا الغربية بسبب موقفي من ألمانيا الشرقية، وفي 1971 زعم محمد يزيد، سفير الجزائر في بيروت، أمام المحامي الصديق جبران مجدلاني بأنه يعرف رقم الحساب المصرفي الذي فتحته لي المخابرات المركزية الأمريكية في أحد مصارف بيروت والحال أن الصديق المذكور كان يعرف وضعي المادي على حقيقته . ولولا أن صادق العظم آواني مشكوراً في منزله لمدة عام لكنت مشرداً حقيقياً. باختصار حاربتني الأحزاب الشيوعية بالشائعات . كانت مشاعري إزاء ذلك مزيجاً من الشعور بالاضطهاد والعزلة والاعتزاز . الاعتزاز بأنني غير مفهوم وأكلف الشرق والغرب مشقة فهمي: الغرب يرفضني لأنني ماركسي والماركسيون اللينييون يرفضونني لأنني عميل للغرب. ساعدني ذلك على أن أفكر بنفسي باستقلال عن المرجعيتين الشرقية والغربية. لكن الجانب السلبي فيه كان دفعي إلى الدخول في معارك سجالية أكثر مما هي معرفية مع الشيوعيين باستثناء الجهد النظري الذي بذلته في مقالاتي النقدية للماركسية اللينيننية وللأنظمة العربية في مجلة “دراسات عربية” وفي أيضاً في القاموس النظري لـ”البيان” الصادر في 1974 الذي ساهم في تكوين تيار يساري نقدي بين شباب السبعينات في العالم العربي كله. تعريفي الاتحاد السوفيتي والصين بأنهما إمبرياليان أخرج أنصار هذه وذاك زائد القوميين العرب المتعاطفين معهم عن طورهم. كان اليسار يري فيّ يمينياً واليمين يري فيّ يسارياً متطرفاً.
مما هو إيجابي في ماركس هو نفحة الفكر النقدي في كتاباته .عندما قرأت في 1965 في المقدمة الأولي لـ”رأس المال”:” كتبت هذا الكتاب للذين يفكرون بأنفسهم، أحسست، أنا الآت من ثقافة عربية إسلامية لا يكاد يفكر فيها مفكروها فضلاً عن عامتها إلا بأسلافهم، بأنني انتقلت قارة ذهنية أخرى. بالمثل نقده لاستخدام الطبقات المالكة للدين كمخدر لاقي هوى في نفسي، أنا الذي كنت أعي أن إسلام القرون الوسطي يشكل عائقاً دينياً هائلاً يعتقل عقول المسلمين فلا تعود قادرة على التفكير الواقعي فضلاً عن العقلاني في أمور دينها ودنياها. فكرة أخرى عند ماركس أعجبتني ولا تزال – ضداً على البنيوية التي لا تدع مجالاً لأي تدخل إنساني في التاريخ، تقول بأن وعي قوانين المجتمع – وهي ليست قوانين صارمة بل قوانين ميلية أي قابلة للتعديل _ تسمح بتدخل بشري ما في مسارات التاريخ الموضوعية أي المستقلة عن وعي البشر وهكذا فالإنسان لا يعود لعبة الأقدار كما يعتقد المتدينون ولا لعبة البني الاجتماعية الموضوعية كما يري البنياويون بل يغدو إلى حد ما صانعاً لمصيره.
انطلاقاً من هذه الرؤيا كونت لنفسي الأطروحة التالية: يتقدم التاريخ عبر صراع الاتجاه والاتجاه المضاد التاريخيين، محصلة هذا الصراع هي التاريخ الواقعي بعد أن انتفت الإمكانات التاريخية الأخرى سواء بانتصارات الاتجاه أو بانتصار الاتجاه المضاد. يخطئ من يعتقد أنه يستطيع أن يمنع اتجاهاً تاريخياً هو عادة لا ‘يصد ولا ‘يرد وإنما تستطيع المجتمعات أن تتدخل بضبط الاتجاه التاريخي بتأطير مساره وتلطيف آثاره الجانبية غير المستحبة. مثلاً من الجنون محاولة إلغاء رأس مالية عصرنا، العولمة ، وإنما بالإمكان التدخل لضبط مسارها سواء من قبل الدول أو الهيئات الدولية أو المجتمع المدني القومي والعالمي. وقد اقترح رئيس الدولة التونسية في التسعينات إنشاء صندوق تضامن عالمي لمقاومة الفقر في العالم لتلطيف مفاعيل العولمة السلبية وقد بنيت المنظمات الإقليمية ثم الأمم المتحدة هذا الاقتراح في سياق هذا المنطلق التدخل الواعي بحدوده يمكن للحركات السياسية أن ترّشد معارضتها العقيمة للعولمة عندما تكون في حد ذاتها بدلاً من التصدي لآثارها السلبية فقط.
طبعاً كان ماركس حالماً وانا أيضاً وأنت أيضاً يا عبد القادر الجنابي. لا ننسي تأثير طوباوية الكتاب المقدس على ماركس فالمهدي المنتظر أو عودة المسيح حاضر كقماشة الخلفية وراء رؤياه الاشتراكية، لكنه اسقط عودة المسيح، الذي أضفي على أحلامه مسحة إنسانية وأخلاقية، على البلوريتاريا التي بات عليها أن تحقق مهام المهدي المنتظر. نقده لرأس المال هو نقد اقتصادي نصفاً وأخلاقي نصفاً. الحركات الاشتراكية في القرن التاسع عشر ومنها الماركسية كانت أساساً احتجاجاً أخلاقياً على الرأسمالية المتوحشة التي كانت تشغل العمال دون أدني ضمانات 14، 12 وأخيراً عشر ساعات متواصلة بمن فيهم الأطفال الذين كانوا أحياناً يموتون خلال الشغل.
الرأس مالية المعاصرة هي أيضاً، في نظري غير قابلة للحياة، وإذا لم تدخل عليها الإنسانية المفكرة والإنسانية المتألمة تعديلات جوهرية سواء في نمط إنتاجها أو في نمط استهلاكها غير المحدودين والحال أن موارد الكرة الأرضية محدودة ومهددة بالنفاذ، بعضها بالنفاذ الوشيك مثل الماء والأكسجين، وإذا أرادت البشرية أن تصل يوماً ما إلى مستوي استهلاك مماثل لاستهلاك الولايات المتحدة الحالي فيلزمها لتحقيق هذا الهدف ثلاث كرات أرضية كما يقول جيروم باندي مدير مكتب التحليل والتوقع في منظمة اليونسكو.بل حسب الصين أن تصل إلى مستوي الإنتاج الأمريكي خلال العقود القادمة لتحل بالأرض كارثة أيكولوجية. الخلاصة أن الرأس مالية تحتاج إلى إصلاحات ثورية سلمية متواصلة تؤدي في النهاية إلى تغيير طبيعتها الإنتاجية والاستهلاكية والتنافسية. التنمية المستدامة التي اقترحتها الأمم المتحدة خطوة أولي في مسيرة الألف ميل إلى هذا الهدف. معني ذلك أن تبدأ الأجيال الحالية في التفكير جدياً في مصير الأجيال التي لم تولد بعد وهذا يتطلب إعادة النظر في الأنانية المرضية المتأصلة في النفسيات اليوم.
طبعاً هذه المهمة الهائلة مطروحة على الإنسانية المفكرة والإنسانية المتألمة في البلدان الرأسمالية المتقدمة التي أنجبت الرأسمالية وبإمكانها أن تنجب بدائلها التطورية والسلمية. أما الإنسانية المفكرة والإنسانية المتألمة في البلدان المتأخرة التي لم تنجب الرأسمالية وليس بإمكانها بالتالي أن تنجب بدائل تطورية لها فمهمتها هي اللحاق بالبلدان المتقدمة عبر بناء دولة مؤسسات حديثة واقتصاد حديث وتعليم حديث ومجتمع حديث أما كيلها الشتائم للرأسمالية فهي مجرد حيلة لا شعورية لتفادي اللحاق بهذه الرأسمالية الملعونة التي هي أفضل ألف مرة من تأخرها واستبدادها وماضويتها ومعاملتها الوحشية للطفل والمرأة والفرد والأقليات الدينية أو الاثنية أو اللغوية. فالمرأة المسلمة وغير المسلمين يعاملون في بداية الألفية الثالثة معاملة أكثر ضراوة بما لا يقاس من معاملة الرأسمالية المتوحشة في القرن التاسع عشرة للنساء والأطفال.
ما بقي لي من أحلام الشباب يا صديقي هو الحلم بعالم أفضل، حيث حروب أقل وعنف أقل واضطهاد أقل وفقر أقل وجهل أقل وجروح نرجسية أقل وعقلانية أكثر.































