ألتبريس: خالد الزيتوني
في قلب سلسلة جبال الريف دأب الصانع التاغزويتي على إبداع منتجات تقليدية جميلة ومتنوعة مستخدما في ذلك جلود الحيوانات والخشب، وتمكن وبفضل مهاراته المكتسبة أن يخوض غمار التنافسية الإقليمية والوطنية وذلك بالرغم من المشاكل الجمة والمعاناة الحقيقية التي تعترض الصانع التقليدي الجبلي للاستمرار في إبداعاته التي لا يقدر معظم السكان ولا مندوبية وزارة الصناعة التقليدية قيمتها وغالبا ما تعيش هذه الفئة حالة ركود اقتصادي لا يسعفها حتى على تلبية أبسط متطلباتها الأساسية، هذا في الوقت الذي غادر فيه العديد من الصناع مركز تاغزويت باحثين عن مهن بديلة يكون درها أفضل.
وبالرغم من وجود جماعة تاغزويت وسط منطقة جبلية وعرة وبين جماعات قروية لا يكاد يسمع عنها أحد، فإن شهرتها قد اكتسبتها من الصناعة التقليدية التي يتقنها العديد من أبناء الجماعة الذين ورثوها بدورهم عن أجدادهم لما يزيد عن قرنين من الزمن، حيث حفظ الأجداد للأحفاد أسرار الهندسة الخاصة بالصناعة التقليدية على الخشب والجلد حيث تستخرج منهما منتجات مختلفة، وكذلك نسيج الصوف وصناعة الحديد والنحاس التي تحولها يد الصانع التقليدي إلى لوحات وتحف غاية في الرونق والإبداع وهو ما أكسب منتجات الصناعة التقليدية لتاغزويت شهرة واسعة على الصعيد الوطني والدولي.
كما شكلت منطقة تاغزويت وعلى مدار السنين مركزا مهما للإبداعات التقليدية، وهو الأمر الذي انتبه إليه المعمرون الإسبان الذين سارعوا إلى إنشاء أول مركز لتعليم وتكوين الصانع التقليدي، واكتسبت تاغزويت وبسبب ذلك شهرة واسعة في عالم الإبداع التقليدي الأصيل، إلا أن كل هذه المكانة لم تحفظ للصانع التقليدي العيش وتحصيل متطلباته في العيش الكريم ومستلزمات العمل، وفي هذا الإطار أكد لنا “حسن مهداتي” ممتهن للصناعة التقليدية بمركز تاغزويت ” بكون مشكل التسويق يبقى الهاجس الأكبر بالنسبة للصانع التقليدي، بالإضافة إلى المواد الأولية التي يتم جلبها من مدينة فاس وهو ما يزيد من كلفة المنتجات التي تعرف ضعفا كبيرا من حيث الإقبال عليها “، كما يشتكي الصناع التقليديون بالجماعة المذكورة من تعدد الوسطاء الذين يقومون بشراء منتجاتهم بأثمنة زهيدة وبيعها بالمدن السياحية الكبرى بأثمنة أحيانا تكون خيالية، فحسب ذات المصدر فإن الوسطاء يقومون بفرض السعر الذي يناسبهم في الوقت الذي يكون الصانع مرغما على بيع منتجاته بسبب غياب الإقبال والدعم، وهو الأمر الذي يزيد من معاناة الصناع الذين لا يتوفرون على إمكانيات بديلة لتسويق منجاتهم.
كما تقلص عدد الصناع العاملين في مجال الصناعة التقليدية بالمركز الذي يوجد بقلب جماعة تاغزويت، حيث قام المسؤولون بإعادة ترميمه لجعله قادرا على استيعاب أنشطة الصناع الذين غادر معظمهم الجماعة للعمل بمدن أخرى كفاس ومراكش، كما أوضح صانع تقليدي ل” الأحداث المغربية “ أنهم لم يتلقوا أي دعم من مندوبية الصناعة التقليدية بالحسيمة منذ ما يزيد عن السنتين، مجددين مطالبتهم للمسؤولين بالنظر في أحوالهم المتسمة بغياب التغطية الصحية والدعم الكافي مؤكدين عزمهم على الانسحاب من ممارسة هذه الحرفة أسوة بمن سبقوهم إذا لم يتم النظر في مشاكلهم.
وبالرغم من كل هذه الصعوبات التي تجتازها الصناعة التقليدية بالمنطقة فإنها ظلت مشتلا حقيقيا للمهارات الحرفية وعاصمة للصناعة التقليدية لإقليم الحسيمة، في مجالات حرفية مختلفة كفن النجارة وتطعيم الخشب، وصنع أسلحة الأفراح والرابوز والعكاكيز الفاخرة والدرازة والغزل والدباغة والمصنوعات الجلدية، بالإضافة إلى صنع المنتجات المحلية بطريقة تقليدية جعلت منها صناعة قائمة بذاتها بمنتجاتها وحرفييها الذين برعوا في تطوير الصناعة التقليدية وطنيا، وعلى مستوى جماعة تغزويت القابعة بسلسلة جبال الريف فإن العديد من الدواوير لازالت تمارس هذه الحرفة منذ عشرات السنين في دوار أولاد لكار، بن يخلف، تزرين، أولاد الورطيط، بني مريم، قلعة سيدي المخفي، قلعة آيت مروان، ترمزيت اكورارن، وتروين، وقد عرفت هذه الأماكن بصناعتها وصناعها الذين دأبوا على الإبداع والاستمرار في إنتاج أشياء تقليدية تشد إليها فضول الزائر وتجعله يدرك قيمة هذه الإبداعات الأصيلة والنابعة من قمم جبال أنهكها الفقر والتهميش، ومع ذلك فهي تأبى إلا أن تستمر في الإبداع رغم قساوة الظروف والطبيعة وقلة الاهتمام من طرف القيمين والساهرين على الصناعة التقليدية بالمنطقة.





























