يزداد اهتمام شباب الباحثين البرتغاليين بالحقبة الإسلامية من تاريخ بلدهم. وقد أصبح بإمكان عموم المواطنين الاطلاع على بصمات الحضارة المغربية الأندلسية، من خلال رعاية القائمين بالشأن الثقافي في منطقة الغرب بتوثيق وفهرست وحماية الآثار الباقية: أسوار وحصون وأبراج ومنشآت بمختلف المدن التاريخية والمراكز الحضرية، مثل شلب وطبيرة وقسطلة وفارو وبطرنة والعالية وألجزور، وبكثير من البوادي أيضا.
ولا يخفى دور البحث الأثري الذي ظل نشيطا طوال العقدين الأخيرين في استخراج آلاف القطع الأثرية الأندلسية بواسطة الحفريات المبرمجة في عدد من المواقع التاريخية؛ وقد خُصّصت لعرضها متاحف بلدية بكثير من المراكز الحضرية مفتوحة في وجه المواطنين وزوار غرب البرتغال من مختلف بلدان أروبا. كما نُشِرت، بدعم من البلديات والمجالس المنتخبة، عشرات الكتب والمصنفات التاريخية والأثرية التي تُعيد ر بط البلد بماضيه المغربي الأندلسي، وتواصل ذاكرة الأجيال بقدامى أهل القلم الأندلسيين، الذين سُرعان ما استعادوا مكانتهم الرفيعة ليصبحوا من جديد مفخرة البلد.
ولا تمر السنوات دون افتتاح المعارض الأثرية للتحف الإسلامية في هذه المدينة أو تلك، وتنظيم الملتقيات العلمية والقراءات الشعرية وعرض الأفلام الوثائقية بصورة دورية ضمن برامج متجددة للتعريف بالتراث التاريخي، ناهيك عن التعريف في تراجم مفصلة بأسماء العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء الذين غدوا مشهورين حتى لدى أطفال المدارس الابتدائية.
وبمناسبة مرور ثلاثة عشر قرنا عن ميلاد الأندلس، بادر الفنان العازف على البيانو الشاب فرناندو بيسانيا، المجاز من جامعة الغرب في “التراث الثقافي“، والباحث ضمن دروس الماستر في تاريخ الغرب، بتأليف كتاب مُركّز الأول من نوعه عن “تاريخ مدينة فارو الإسلامية” التي وُ لِد بها. وقد عمد إلى إجراء قراءة واسعة فيما كتب عن منطقة الغرب من أبحاث تاريخية، وما أنجز فيها من تنقيبات أثرية وما نشر عنها من طرف المؤرخين والمستعربين وعلماء الآثار والمهتمين بفنون العمارة منذ دافيد لوبيس وغارثيا دومنغيش، خلال بدايات القرن الماضي إلى اليوم.
أمكنه ذلك من بسط صورة المدينة في المصادر العربية، وإعادة بناء تاريخها الممتد على مدار نحو خمسة قرون، بدءا من فتح الأندلس إلى حين وقوعها تحت السيطرة المسيحية، مرورا بعصور الولاة والخلفاء الأمويين وفترة الطوائف وانتهاء بالحقبتين المرابطية والموحدية. كما عمد إلى إحصاء ما تبقى من الآثار الإسلامية بقصبة المدينة وأسوارها ومسجدها الجامع وحماماتها، والتعريف بأهم ما أنجز بها من حفريات أثرية، وعثر بها من لقى خزفية ومعدنية. واختتم عمله بقاموس يتضمن أبرز المصطلحات العربية الواسعة الاستعمال في الكتابات التاريخية والأثرية البرتغالية.
تجدنا أمام باحث واعد بمزيد من العطاء، وكان قد سبق أن صدرت له منشورات وأبحاث مختلفة تهتم بتراث منطقة الغرب وتاريخها الإسلامي.
الدكتور أحمد الطاهري
أستاذ التعليم العالي
ورئيس مؤسسة الإدريسي المغربية الإسبانية




























