بالنظر إلى واقع مجتمعاتنا الإسلامية، نلمس مدى التعقيدات التي تعرفها هذه المجتمعات في تحقيق طفرة نهضوية ترقى بها الى مصاف المجتمعات المتمدنة . وذلك رغم ما تتوفر عليه من موارد طبيعية ،وإمكانيات مالية. وتواجد معظمها في منطقة جيوسياسية محورية في التجارة الدولية ، بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، شكلت تاريخيا مهدا لأغلب الحضارات الإنسانية .وشكلت عبر التاريخ دولا ومماليك ساهمت في إغناء الحضارات المتوسطية . وهي كلها عناصر مهمة كانت لتؤهلها لتحقيق نهضة إقتصادية وعلمية توازي نظيراتها الأوروببة .
لكن ماذا حدث لهذه الشعوب حتى تفقد موعدها مع التاريخ . خاصة وأننا نعلم أن بعضا من هذه الدول ومن ضمنهم المغرب. كان من الأوائل الذين أرسلوا بعثات طلابية الى الديار الاوروبية أواخر القرن التاسع عشر من أجل الاستفادة من التقدم العلمي والحضاري الذي حصل فيها . وهو ما فعلته كذلك بعض الدول الآسيوية كاليابان و كوريا لاحقا.
لكن السؤال المطروح هو لماذا نجحت هذه الدول الآسيوية في تحديث دولها و مجتمعاتها وأستفادت من بعثاتها من أجل رقي اوطانها ، فيما فشلت بعثات الدول الاسلامية في تحقيق نفس الغايات والأهداف ؟.وهل أتيحت لها الفرصة لذلك؟. ولماذا تم إعدامها وتهميشها بدواعي الكفر والزندقة من طرف فقهاء السلطة المتأثرين بفكر الردة السلفية بزعامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي كان له وقع الصدى على فقهاء بلاط السلطان سليمان الذي عمد الى إغلاق الحدود كسياسة إحترازية ضد الغرب. وعلى الرغم من أن السلطان الحسن الأول، الذي جاء من بعده ، قد إستشعر مخاطر التخلف والفرق الذي بدأ يتسع بين أوربا والعالم الإسلامي عامة والمغرب خاصة ، فقرر القطع مع سياسات الاحتراز التي انتهجها سلفه وقام بإرسال بعثة طلابية للاستفادة من علوم الغرب ، لكن إفتقاده القدرة السياسية الكافية لتحدي سلطة الفقهاء المتزمتين، الذين اعتبروا طلاب البعثة كفارا وزنادقة، حال دون تحقيق مشروعه التحدثي للدولة والمجتمع.
انه نفس السؤال الذي يمكن طرحه على دولة الخلافة العثمانية التي إمتد نفوذها غربا الى حدود الجزائر أفريقيا والى حدود النمسا اوروببا . و التي عاصرت الثورة االفكرية والصناعية التي شهدتها أووبا الغربية إبان القرنين السابع والثامن عشر ميلادي التي مكنتها من الانتقال من مجتمعات زراعية الى صناعية . و ماذا حال دون ان تستفيد الدولة العثمانية من هذه القدرات العلمية التي كانت في متناولها على حدودها الغربية ؟. وبالتالي توظيفها من اجل تقدمها ورقي شعوب الولايات التي كانت تحت سيطرتها.
ربما يكون لهذا الانكفاء أسباب عدة.لكن الأكيد ان مرحلة صعود أوروبا الغربية وما رافقها من إصلاح ديني وتحديث لمؤسسات الدولة والمجتمع كان يوازيه في الدولة العثماتية بداية ضعف السلطة السياسية في مقابل تغول السلطة الدينية المتاثرة بالفكر السلفي والتكفيري ، الذي عمق تخلفها، و عجل سقوطها و تفتيتها .
ولم تكن الحرب العالمية الاولى والثانية إلا تحصيل حاصل لواقع إمبراطورية مريضة نخرها فساد السلطة السياسية ،والتفسير الظلامي للدين الإسلامي من طرف فقهاء البلاط ،الذين تمثلوا في عصرهم فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ،وسلفه بن تيمية في فتاويه التكفيرية لخيرة علماء المسلمين امثال جابر بن حيان، وبن سينا ،والكندي، وبن رشد ،وغيرهم ، وما بالك بعلم وعلماء الغرب الأوروبين الذين لم يروا فيهم إلا كفارا و كفرا مضاعفا.
عندما استحضر هذه التساؤلات فليس من باب التبخيس لواقع مجتمعاتنا الحالي .ولا من باب التفضيل للمجتمعات الاوروبية. بل فقط لأني دارك اننا شعوبا نمتلك، ككل شعوب العالم، نفس مقومات الذكاء والرغبة في التقدم والرقي. ولا نحمل عاهات جينية تجعلنا في حكم المتخلفين عقليا .بالتالي فمسائلة الذات الجماعية أصبحت فرض عين علينا ،حتى لا نسقط اسباب فشلنا وتخلفنا على الأخرين فقط .وحتى لا نعتبر مصابنا عقاب لله على خروجنا عن تعاليم الدين و نهج السلف الصالح. هذا في الوقت الذي نعرف جميعا ان الخطاب الديني في مجتمعاتنا فيه من التضخم الى درجة التورم ،والفيض بما نشهده من حروب طائفية و مذهبية وفتاوى الجهاد والتكفير. هذا في الوقت الي أعفى فيه الله عباده من الكفار! والنصار من العقاب ،ورفعهم درجات على ما نعتبره خير أمة أخرجت للناس.
صحيح أن هذه الشعوب تعاني في معظمها من فساد أنظمة الحكم واستبداد السلطة .لكن ما كان لهذه الانظمة ان تستمر في هذا الوضع لو لم تتماهى مع السلطة الدينية التي تسخر الشان الديني لخدمة السياسي. وذلك في علاقة جدلية تكثف أزدواجية في الإسبداد بين الحاكم المستبد والفقيه/ المرشد ، ونخب الموالات .
وعليه فان المدخل لإصلاح الاوضاع أو تغييرها لم يكن يوما في هذه المجتمعات خاضعا للإرادات الشعبية ، ولنا في فشل ثورات ما سمي بالربيع الديمقراطي في تحقيق شعاراتها من الديموقراطية والحرية والكرامة أكبر مثال على ذلك . بل إن التغييرات التي شهدتها هذه الدول عبر تاريخها المعاصر كانت دوما فوقية ومتحكم فيها .وغالبا تكون نتيجة للصراعات داخل مربع السلطة وبتزكية من سلطة الفقيه /المرشد ،ونخب الموالات التي تستفيد من ريع السلطتين .
صحيح أن التغيير دائما ما تقوده النخب الفكرية والسياسية والروحية عندما تكون ملتزمة بقضايا المجتمع ومنخرطة عمليا في حركيته.لكن عندما تكون هذه الشعوب تحت وطأة الاستبداد المزدوج للسلطة الدينية والسياسية بكل ما ينتج عن هذه الوضعية من جهل وتخلف وفقر وقمع للحريات وتسييد للفكر الخرافي والظلامي ، فانها غالبا ما تكون في موقع العاجز عن فرز نخبها الواعية القادرة على قيادة عملية التغيير. وإن انتفضت على سوء أوضاعها فغالبا ما تكون حراكاتها عفوية وانفعالية تعجز عن تحقيق أهدافبها الآنية ،و لا عن تحقيق التراكم المطلوب لعملية التغيير والانتقال بالدولة والمجتمع الى فضائات الحرية والديمراطية والعدالة الاجتماعية . بل غالبا ما يستتبع هذا النوع من الحراكات التي تحصد الضحايا ولا تحص
صحيح أن التغيير دائما ما تقوده النخب الفكرية والسياسية والروحية عندما تكون ملتزمة بقضايا المجتمع ومنخرطة عمليا في حركيته.لكن عندما تكون هذه الشعوب تحت وطأة الاستبداد المزدوج للسلطة الدينية والسياسية بكل ما ينتج عن هذه الوضعية من جهل وتخلف وفقر وقمع للحريات وتسييد للفكر الخرافي والظلامي ، فانها غالبا ما تكون في موقع العاجز عن فرز نخبها الواعية القادرة على قيادة عملية التغيير. وإن انتفضت على سوء أوضاعها فغالبا ما تكون حراكاتها عفوية وانفعالية تعجز عن تحقيق أهدافبها الآنية ،و لا عن تحقيق التراكم المطلوب لعملية التغيير والانتقال بالدولة والمجتمع الى فضائات الحرية والديمراطية والعدالة الاجتماعية . بل غالبا ما يستتبع هذا النوع من الحراكات التي تحصد الضحايا ولا تحصد المطالب، فترات طويلة من الجزر والسكون يكون فيها اليأس والاحباط سيد الموقف .
بالتالي فان الاصلاح يمكن ان يتحقق شريطة ان تتكاثف الارادة المشتركة في اطار تعاقدات اجتماعية وسياسية بين الفاعل السياسي والثقافي والديني والمجتمع بكل تعبيراته المتنورة الواعية بمخاطر الاوضاع الحالية التي تعتبر عملية الإصلاح ضرورة لتجاوز حالة الإننفصام والتخلف والإحتقان التي تشهدها مجتمعاتنا الإسلامية كما كان الشان مع المجتمعات الأوروببة بكل فعالياتها عندما أقرت بوجوب الإصلاح الشامل ورد الإعتبار للعقل والفكر بفصل الدين عن الدولة.
إن عملية التغيير والإصلاح تبدو أكثر تعقيدا في مثل هذه الأوضاع التي تكون فيها الشعوب تحت رحمة الاستبداد المزدوج، الذي يجمع ببن القمع المادي عبر الأدوات المباشرة للسلطة السياسية، والقمع المعنوي و الروحي الذي تمارسه سلطة الفقيه عبر خطابات يومية وأسبوعية تكبل العقل و تبجل الخرافة ،تكفر العلوم وتفيض في تفسير مبطلات الوضوء ، أو المرشد كحالة إرتقاء لوضعية الفقيه بعد أن أصبح يفكر بعقلية الاسلام السياسي، و يصبو الى الحكم والسلطة. لكنها ليست مستحيلة كذلك خاصة إذا أدركت النخب المتنورة فداحة هذه الأوضاع التي لا يمكن أن ينتج عنها سوى مجتمعات مكبوتة ثقافيا ، شقية في وعيها ،و منقسمة في شخصيتها بين الرغبة في العيش وفق متطلبات العصر والاستفادة من ما توفر الحداثة من قيم انسانية وكونية تلتقي في جوهرها مع الاهداف السامية للإسلام ولكل الديانات . وببن ما تتلقاه من خطابات عبر المساجد والبرامج التعليمية ، و قنوات التحريم و التجريم التي تعمل على قتل العقل، وتدجين الفكر ، و ترجع الأسباب الى خروج الأمة عن نهج السلف الصالح. وتعتبر الحداثة بدعة وضلالة مآلها النار.وأن هذا الوضع المتخلف للمجتمعات الاسلامية، هو من تحشده قوى الظلام لتحوله الى
قوة ايمانية جماعية في مواجهة العدو الكافر المهدد للدين الاسلامي كمبرر لدفعها الى المزيد من الانغلاق على ذاتها وسد منافذ التلاقي الحضاري بين الأمم والشعوب . كما توظفه لتأجيج الإنقسامات الداخلية ،والإقتتال بين الطوائف والمذاهب المتعددة في مجتمعاتنا الاسلامية، من اجل أدامة الاستبداد السياسي والديني ،ودفع هذه المجتمعات الى الإختيار بين الوضع الحالي بكل عاهاته ، و بين حالة الفوضى وغياب الاستقرار الاجتماعي والأمني التي تعيشها بعض هذه المجتمعات.
لكن حتى مع وجود هذا الإستبداد المزدوج . اليس من باب التجني القول ان هذه المجتمعات ستبقى عاجزة عن انتاج مقومات التغيير والإصلاح. وغير قادرة على تجاوز حالة الانفصام التي تنخر ذاتها الفردية والجماعية ؟.وان التحولات التي يعرفها العالم ، مع وجود ثورة معلوماتية عابرة للحدود ، لن تطال مجتمعاتنا . ألم تدرك بعد هذه الانظمة المزدوجة الإستبداد، أنها تعطل التطور في إتجاه التقدم والديمقراطية والحداثة ؟.و ان عملية التغيير التي تطال سلوك الأفراد والجماعات لا يمكن منعها بسياسات رفض الاخر والإنغلاق على الذات ،والدعوة الى العودة الى نهج السلف الصالح كما كانت تفعل قبل ان تنتشر تكنولوجيا التواصل الاجتماعي التي أضحت داخل كل بيت وأسرة .
آلا يمكن إعتبار ما نشهده من تصاعد للتطرف الديني ،والارهاب المنظم من طرف بعض الجماعات الدينية ، في حق إخوانهم من المسلمين، وتضخم الخطاب الديني سوى ردة فعل على هذا التحول في سلوك الأفراد والجماعات ،الذي أصبح أكثر تشبها بالغرب في مظهره و وأنماط العيش اللبيرالية . وأن ما تشحنه به من أفكار سلفية مناهضة للعلم والحداثة عبر ما يتيحه لها تحكمها في مؤسسات الحقل الديني، يساهم فقط في مزيد من الضياع وشرود هذه المجتمعات، ويعطل تطورها الذي بدل ان تلجه بوعي جمعي يميز جوانبه الايجابية من السلبية، سيلجه بوعي شقي متمرد على الذات الفردية و الجماعية، يمارس من خلاله الشيىء ونقيضه كما يؤشر عليه واقعنا الحالي . وتصبح الحكومات والدول تشرع لواقع منفصل عنها، ويتطور بمعزل عن ارادتها . فنجدها تنظر للديمقراطية وهي اول من يغتالها ،تحرم في قوانينها الخمر على المسلمين من مواطنيها وهم في الواقع اول المستهلكين له .تحرم الربا وهي من تستفديد من المضاربات المالية والفوائد على القروض.تحرم العلاقات خارج إطار الزواج concubinage في الوقت الذي تممد فيه آجال ثبوت الزوجية . تنكر وجود الدعارة في الوقت الذي اصبحت فيه ممارسة شائعة ،ومجالا من مجالات الدخل لتسديد رمق العيش لفئات واسعة من مجتمعاتنا ، و عنصرا منشطا للبرامج السياحة لحكوماتنا ودولنا الخ..
انها فقط مجوعة من التساؤلات المستفزة لطهارة الخطاب السياسي والديني الذي يخترق مجتمعاتنا ومؤسساتنا الحاكمة الى درجة الفيض يكل العاهات المنافية للأخلاق ولحكامة الحكم تفكيرا و سلوكا و ممارسة . وهي كذلك بمثابة دعوة صريحة للفقيه المتنور و السياسي الصادق والمفكر الملتزم بقضايا المجتمع ،لتكاثف الجهود من اجل البدء في عملية الإصلاح الشامل تفاديا للأسوء الذي يهددنا جميعا دولا و مجتمعات. ويجعلنا نخسر ديننا ودنيانا . خاصة واننا اصبحنا نعيش في مرحلة تقمص فيها الحاكم دور الفاعل الاقتصادي ،و الفقيه دور الفاعل السياسي. ففسد الدين و فسدت الدولة ،وعم الفقر والجهل مجتمعاتنا ونحن أكثر من يعلم أن الفقر كاد أن يكون كفرا.
طنجة: د. عبد الوهاب التدموري































