ذ. محمد العطلاتي
لا شك أن التغييرات و التحولات التي أصابت، و ما زالت تصيب الحياة البشرية، هي في الواقع تحولات فعلية و ثابتة، شأنها في ذلك شأن التغيرات التي رافقت مسيرة الإنسان على الأرض لآلاف السنين منذ اللحظة الأولى لظهوره على سطح هذا الكوكب الحي.
التحولات التي شهدها تاريخ البشرية، لم تكن، منذ الأزل، سريعة و متسارعة، بل كانت بطيئة و متثاقلة بحسب نظرتنا لمفهوم السرعة و التسارع، و ربما لذلك لم يتمكن الإنسان ” العالم” من رصد تلك التحولات و توثيقها إلا بعد مرور أزمنة مديدة و عصور طويلة على حدوثها، فهل ما تزال تلك التحولات التي أصابت نمط و قواعد حياة الإنسان الاجتماعية على سطح كوكبه قائمة؟ و ماهي علامات هذا التحول الطارئ و أسبابه الموضوعية ؟
لقد عرف العالم الحديث، في العقد الأخير من الزمن، طفرة تكنولوجية عارمة، مست مختلف مناحي حياة الكائن البشري، كما أن الطفرة ذاتها، في نفس الآن، كان موضوعها الرئيس، في المقام الأول، هو الإنسان نفسه، و مادام الإنسان “موضوعا” محوريا لهذا التطور التقني و مجالا واسعا لسلطته غير المحسوسة، فلا بد أن يتأثر به و ينعكس ذلك التأثير على سلوكه و طريقة رؤيته للأشياء.
و حتى لا يظل فهم الموضوع غاية غير مُدْرَكة، فلْنُعْطِ مثالا بسيطا على ذلك، ففي مناخ تيسّر فيه سبل تداول الخبر، مع تحقق طفرة تكنولوجية هائلة، بفضل الأدوات و الوسائط المعلوماتية المبسوطة أمام عموم الناس، و أمام انبثاق واقع جديد سَهُلت فيه عمليات إنتاج “المعلومة” و نشرها في لمح البصر، أمام كل هذا، يستطيع المرء، من خلال رصد محايد لسلوك الإنسان، أن يعاين التأثيرات الناتجة عن وقع ما تعارف الجمهور على تسميته ” فضاءَ افتراضيا”؛ ففي الماضي القريب، مثلا، كانت أخبار النعي لا تذاع و تنتشر بين الناس إلا بعد زمن ليس بالقصير، لكنها الآن أصبحت أخبارا تنتشر بسرعة مماثلة لسرعة الصبيب المعتمد في جهاز الهاتف الذكي. في السابق، كانت للعزاء طقوس مادية و مراسيم معلومة لدى الجمهور و الخاصة، لكنها الآن تحولت إلى مجرد نقرة على زر من أزرار شاشة الهاتف المحمول !
ارتباط الكائن البشري المعاصر بتقنيات الهاتف الذكي الحديثة، و بتطبيقات متعددة، تعتمد الصورة و الصوت في نقل المعلومة، بصرف النظر عما إذا كانت صحيحة أم كاذبة، طبيعية أو مصطنعة، هذا الارتباط المتزايد، عاما بعد آخر، جعل الإنسان كائنا يتقدم شيئا فشيئا ليصبح، مع الاعتياد و التعود، مجرد كتلة عضلية تقوم بوظائف تشبه أية حركة ميكانيكية تقوم بها آلة من الآلات التي اخترعها و يخترعها البشر، كتلة منزوعة التصرف و مقيدة باسم الحرية !
لكن السؤال الذي يغيب عن ذهن الإنسان، ربما لكونه سؤالا حادا رغم بساطته، هو السؤال الذي لا يكف عن طرح السؤال المركزي : كيف يتم استعباد الناس في عصر الحرية؟ و من يملك القوة لإتيان ذلك ؟
الثابت، بحسب علمنا طبعا، أن دول العالم العظمى هي من يمسك بزمام العالم و بتلابيبه، فهي قوى عسكرية، اقتصادية، علمية، في آن واحد، لكن هذه القوى العظمى، رغم ما بلغته من علو، إلا أنها لم تركن أبدا إلى الراحة، فهي دائمة البحث عن وسائل حديثة تمنحها مزيدا من القدرة على التحكم في ضبط حياة الإنسان على إيقاعها المنفعي.
لا شك أن مستعملي وسائط التواصل المسماة ” اجتماعية”، رغم تناقضها مع مفهوم الاجتماع كما صاغه ابن خلدون، يعددون مزايا هذه الخدمات ” السيبرانية” بل يسبحون بحمد الله لأن العلم مكنهم من الحصول على ذلك، لكن هؤلاء المغرمين، ونحن منهم بالطبع، لا يدركون شيئا عن كيفية اشتغال هذه الوسائط و لا عن كيفية إدارتها أو عن الشخص المتحكم فيها، بل ينقادون انقياد القطيع أمام راعٍ لا يعلمون من يكون !
الأزرار و الخاصيات و التطبيقات التي تظهر بين الفينة و الأخرى، في طبيعتها عمل هندسي بارع أنتجه مهندسون بارعون في عالم التصنيع المعلوماتي. و الاستثمار في إنتاج و تشغيل موقع مثل “فايسبوك” ثم استقبال ملايين المشتركين فيه، وكذلك الحال بالنسبة لتطبيق يحمل اسم ” واتسآب”، هو عمل معقد و يتطلب تكاليف ضخمة، لكن رغم ذلك، فمالك الموقع الأزرق و صاحب التطبيق الأخضر، لم يطالبا أحدا بدفع حقوق الاشتراك، و تعهدا معا باستمرار خدمتهما مجانا للعموم.
لماذا يا ترى؟
لسبب بسيط : الشركتان معا، عبر تقديمهما هذه الخدمات، تحصلان بشكل يومي على ملايين المعلومات و المعطيات عن هذا الإنسان، وهي معلومات وفيرة إلى درجة أنها تصلح لتكون قاعدة بيانات عن العالم بأسره، و حين تكون السباق لتحصيل المعلومة، فحتما ستكون المتحكم الأول.































