عبدالله اكلا
صدر مؤخرا عن الحكومة مشروع قانون رقم 21-13 يتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، وهو مشروع تقدمت به وزارة الداخلية. وكان من المفترض أن يعرض على أنظار المجلس الحكومي المنعقد يوم 25 فبراير 2021، لكن تم تأجيل عرضه الى اجتماع آخر. ليتم المصادقة عليه في الاجتماع الثالث. وبالرجوع إلى المذكرة التقديمية لمشروع القانون هذا، والموقعة من قبل وزير الداخلية السيد عبدالوافي لفتيت، نستشف أهم أسباب نزول هذا المشروع، والمتمثلة أساسا في «مسايرة التدرج الذي عرفه القانون الدولي من منع استعمال نبتة القنب الهندي إلى الترخيص باستعمالها لأغراض طبية وصناعية» وأيضا «تفعيلا للتوصيات الجديدة التي قدمتها منظمة الصحة العالمية بشأن إعادة تصنيف هذه النبتة، وذلك بالشكل الذي يتلاءم مع المستجدات العلمية التي أظهرت أنها تتوفر على مزايا طبية وعلاجية»، هذا فضلا عن «الاستعمالات المختلفة المرتبطة بميادين التجميل والصناعة والفلاحة».
ووفقا للمذكرة التقديمية دائما، فان هذا المشروع اعتمد أساسا على تقرير اللجنة الوطنية للمخدرات التي انعقدت في 11 فبراير 2020 تحت رئاسة وزير الصحة، والتي عملت على تبني «توصيات منظمة الصحة العالمية، لا سيما تلك المتعلقة بإزالة القنب الهندي من الجدول الرابع للمواد المخدرة ذات الخصائص الشديدة الخطورة والتي ليست لها قيمة علاجية كبيرة».
وقد سردت المذكرة التقديمية لهذا المشروع خلاصة الدراسات التي أنجزت حول جدوى تطوير القنب الهندي وطنيا لأغراض طبية وتجميلية وصناعية، سواء المتعلقة منها بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية أو الجوانب المتعلقة بالتقنين والتدبير. وهكذا ففيما يتعلق بالجدوى الاقتصادية أشارت المذكرة التقديمية إلى ما يتوفر عليه المغرب من مؤهلات بشرية وبيئية ومن إمكانيات لوجيستيكية وموقع استراتيجي قريب من أوروبا كفيلة باستثمار الفرص التي تتيحها السوق العالمية للقنب الهندي، خاصة في ظل ظرفية تتميز بالتطور المتزايد للطلب العالمي على القنب الطبي ( متوسط توقعات النمو 30 في المئة على المستوى الدولي، و60 في المئة على المستوى الأوروبي)، وذلك حتى يتمكن المغرب من الحصول على حصته من هذه السوق العالمية التي أضحت تعرف منافسة بين عدد من الدول التي سارعت الى تقنين القنب الهندي. وبالنسبة لهذه المذكرة التقديمية، فان الاسراع في ولوج السوق العالمية للقنب الهندي يستوجب استقطاب الشركات العالمية الكبرى المتخصصة في هذا الميدان، وجلب الاستثمارات العالمية بغية الاستفادة من مداخيل السوق الدولية لهذه النبتة. وبالنسبة للجدوى الاجتماعية، تمت الإشارة الى أهمية تطوير الزراعات المشروعة للقنب الهندي في تحسين دخل المزارعين وحمايتهم من شبكات التهريب الدولي للمخدرات. أما فيما يتعلق بالجدوى البيئية، فتتمثل في أهمية تطوير الزراعات المشروعة للقنب الهندي في الحد من الانعكاسات السلبية التي تفرزها انتشار الزراعات غير المشروعة على الصحة والبيئة.
وفي هذا الإطار اعتبرت المذكرة التقديمية لمشروع القانون هذا، ان تحقيق هذه المنافع يتطلب العمل على تأهيل الترسانة القانونية الوطنية، وذلك عبر بلورة مشروع قانون يتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي مطابق للالتزامات الدولية للمملكة. هذا المشروع حددت له المذكرة أربعة مرتكزات أساسية هي:
- اخضاع كافة الأنشطة المتعلقة بزراعة وانتاج وتصنيع ونقل وتسويق وتصدير واستيراد القنب الهندي ومنتجاته لنظام الترخيص.
- خلق وكالة وطنية يعهد لها بالتنسيق بين كافة القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والشركاء الوطنيين والدوليين، من أجل تنمية سلسلة فلاحية وصناعية تعنى بالقنب الهندي، مع الحرص على تقوية آلية المراقبة.
- فتح المجال للمزارعين للانخراط في التعاونيات الفلاحية، مع اجبارية استلام المحاصيل من طرف شركات التصنيع والتصدير.
- سن عقوبات لردع المخالفين لمقتضيات هذا القانون.
إن مضامين هذه المذكرة التقديمية مهمة للغاية لأنها تعطينا صورة عن التوجه السياسي الجديد للدولة في معالجتها لملف صدرت بخصوصه عدة نصوص قانونية منذ عهد الحماية، ذلك أنه إذا كان الظهير الشريف ل 2 دجنبر 1922 المتعلق بتنظيم استيراد المواد السامة والاتجار فيها وإمساكها واستعمالها، قد أباح استعمال المخدرات لأغراض طبية، فان ظهير 24 أبريل 1954 منع قنب الكيف.وتكرس هذا المنع بموجب الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.73.282 بتاريخ 21 مايو 1974 (ج.ر. عدد 3214). فان التطورات التي عرفها ملف نبتة الكيف وغيرها من القنبيات (cannabis/ chanvre) على المستوى العالمي جعل المغرب يفكر في تغيير ترسانته القانونية وفاء لالتزاماته الدولية باعتباره عضوا نشيطا في المنظمات الدولية كما هو منصوص عليه في تصدير الدستور. فكيف تعامل مشروع القانون رقم 21-13 مع ملف تقنين نبتة الكيف؟ وماهي الملاحظات التي يمكن إبداؤها بخصوص هذا المشروع؟
أولا: شكل ومضامين مشروع القانون رقم 21-13 المتعلق بالاستعمالات المشروعة لنبتة القنب الهندي.
هدا المشروع يتكون من تسعة أبواب تضم 56 مادة، موزعة على الشكل التالي:
| الباب | موضوعه | عدد مواده | رقم المواد |
| الأول | أحكام عامة | 3 | 1-2-3 |
| الثاني | زراعة وانتاج القنب الهندي | 8 | من 4 الى 11 |
| الثالث | انشاء واستغلال مشاتل القنب الهندي وتصدير واستيراد بذوره وشتائله. | 2 | 12-13 |
| الرابع | تحويل وتصنيع القنب الهندي | 5 | من 14 الى 18 |
| الخامس | تسويق وتصدير القنب الهندي ومنتجاته | 5 | من 19 الى23 |
| السادس | منح الرخص ومدة صلاحيتها وحالات سحبها ورفضها | 7 | من 24 الى 30 |
| السابع | الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي | 13 | من 31 الى 43 |
| الثامن | نظام المراقبة | 5 | من 44 الى 48 |
| التاسع | البحث عن المخالفات واثباتها والعقوبات وأحكام ختامية | 8 | من 49 الى 56 |
فوفقا للجدول أعلاه يتضح بجلاء الأبواب التي حضيت بأكبر عدد من المواد، ويبدو أن الباب السابع المتعلق بالوكالة الوطنية لتقنين النشطة المتعلقة بالقنب الهندي حضي بأكبر عدد من المواد بما مجموعه 13 مادة بنسبة 23.21 في المئة، موزعة على أربعة فروع، الفرع الأول تناول محور الأحداث والتسمية والغرض (المواد 31/32/33)، والفرع الثاني خصص لأجهزة الإدارة والتسيير ( المواد من 34 الى 41)، في حين تناول الفرع الثالث ميزانية الوكالة (المادة 42)، أما الفرع الأخير فقد خصص لمستخدمي الوكالة (المادة 43). ويأتي في الرتبة الثانية من حيث عدد المواد، الباب الثاني المتعلق بزراعة وإنتاج القنب الهندي، والباب التاسع المتعلق بالبحث عن المخالفات وإثباتها والعقوبات وأحكام ختامية، بما مجموعه ثمانية مواد لكل باب (8) أي ما نسبته 14.28 في المئة. ثم بعد ذلك الباب السادس المتعلق بمنح الرخص ومدة صلاحيتها وحالات رفضها وسحبها، بسبعة مواد (المواد من 24 الى 30) أي ما نسبته 12.5 في المئة من مجموع مواد مشروع القانون.وقد خصصت للأبواب الرابع والخامس والثامن نفس عدد المواد، خمسة لكل باب وهو ما يعادل 8.92 في المئة لكل باب من هذه الأبواب الثلاثة. والرسم البياني اسفله يبرز حجم مواد كل باب من أبواب هذا المشروع.
فمن حيث الكم إذن يتضح بأن المشرع ركز على الخصوص، في إعداده لمشروع القانون هذا، على وكالة تقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي، باعتبارها الآلية المؤسساتية التي يراهن عليها في تدبير كل ما يتعلق بالقنب الهندي، وأيضا على زراعة وإنتاج القنب الهندي وآليات البحث عن المخالفات وإثباتها والعقوبات. وطبعا كل مواد الأبواب الأخرى تندرج في عدد من المهام الموكولة للوكالة بتنسيق مع القطاعات الأخرى المعنية كما سنرى لاحقا.
وفيما يتعلق بمضامين مشروع القانون هذا، نشير في البداية إلى أن اعتماد تسمية القنب الهندي فيه نوع من الاستلاب الثقافي الذي ألفناه منذ مدة وآن الأوان للمصالحة التامة مع الذات وبصفة خاصة مع ألسن المغرب، ونعتقد أنه يستحسن استخدام الكيف البلدي والقنبيات الأخرى المستوردة، ذلك أن المجتمع المغربي هو الذي كرس تسمية هذه النبتة بالكيف وتمت تكريسها في ظهير 1954 المتعلق بمنع قنب الكيف، فهي ليست لا هندية ولا صينية، إنها نبتة مغربية أصيلة، وطبعا هناك في الوقت الحالي انتشار واسع لبذور ونباتات مستوردة تندرج كلها فيما يصطلح عليها بالقنبيات. وعموما فانه وبالرجوع إلى المادة الأولى من هذا المشروع، نجده ينص على إمكانية الترخيص لزراعة وإنتاج وتحويل وتصنيع وتسويق ونقل وتصدير القنب الهندي ومنتجاته واستيرادها وكذا تصدير واستيراد بذور وشتائل القنب الهندي وإنشاء واستغلال مشاتله، وذلك في أطار الشروط والقواعد المنصوص عليها في هذا القانون. وبخصوص هذه المادة لدينا ملاحظتين أساسيتين، الملاحظة الأولى تهم لفظة (يمكن الترخيص) التي تحمل مدلولا غير إلزاميا، في حين أن نية المشرع تذهب الى جعل الترخيص آلية الزامية في كل ما يتعلق بنبتة الكيف والقنبيات الأخرى كما يتضح من المادة الثالثة من هذا المشروع، لذلك نعتقد أنه من المستحب استبدال عبارة يمكن بيتحتم أو يجب. أما الملاحظة الثانية فتخص بعض الإطناب والتكرار في صياغة هذه المادة، ونحن نعتقد بأنه يستحسن إعادة صياغة هذه المادة، وهذا مقترح نقدمه على سبيل الإرشاد: (مراعاة للالتزامات الدولية للمملكة المغربية، وخلافا لأحكام الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.73.282 بتاريخ 28 ربيع الثاني 1394 (21 ماي 1974) المتعلق بزجر الإدمان على المخدرات السامة ووقاية المدمنين على هذه المخدرات، والظهير الشريف الصادر في 20 شعبان 1373 (24 أبريل 1954) بمنع قنب الكيف،كما وقع تغييره، والظهير الشريف الصادر في 12 ربيع الثاني 1341 (2 دجنبر 1922) بتنظيم استيراد المواد السامة والاتجار فيها وإمساكها واستعمالها، كما وقع تغييره وتتميمه، وبتغيير هذين الظهيرين الأخيرين، يتحتم الحصول على الترخيص لزراعة وإنتاج وتحويل وتصنيع وتسويق ونقل وتصدير الكيف والقنبيات الأخرى ومنتجاتها واستيرادها وكذا تصدير واستيراد بذورها وشتائلها وإنشاء واستغلال مشاتلها، وذلك ضمن الشروط والقواعد المنصوص عليها في هذا القانون).
أما المادة الثانية فقد تناولت مدلول واضعي النص من بعض المفاهيم، حددها في خمسة وهي: نبتة القنب الهندي، راتينج القنب الهندي، القنب الهندي، المخدر، الغرض الصناعي. وطبعا فان هناك مفاهيم أخرى مرتبطة بهذه النبتة ربما تفاذت الحكومة الاشارة اليها عمدا، ونشير بهذا الخصوص الى الشيرا أو الحشيش، والزيوت، والعناصر الكيماوية المستخرجة من هذه النبتة وبصفة خاصة التيتراهيدروكانابينول (THC) والكانابيديول (CBD). وإذا كانت المادة لم تشر إلى مفهوم الغرض الطبي أو العلاجي، فان المفهوم الذي أعطته للغرض الصناعي مهم للغاية، فقد أدرجت ضمنه الصناعات الغذائية، وهذا ما سيمكن من تطوير عدد من معارف الفعل المتعلقة باستغلال هذه النبتة لصناعة أنواع متعددة من المنتوجات الغذائية من قبيل البسكويت والشكولاطة والمشروبات، الخ.
وبخصوص المادة الثالثة من الباب الأول، فقد حددت على سبيل الحصر الأنشطة التي لا يمكن ممارستها إلا بعد الحصول على رخصة تسلمها الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة ب (القنب الهندي). هذه الأنشطة حددت في تسعة شملت المجالات الأساسية الأربعة، الزراعة والإنتاج والتصنيع والتسويق، وهي نفسها المجالات التي تم تفصيل مضامينها في الأبواب، الثاني والثالث والرابع والخامس.
وهكذا ففيما يتعلق بزراعة وإنتاج القنب الهندي، تناول الباب الثاني موانع تسليم رخصة زراعة وإنتاج القنب الهندي وشروط الحصول عليها والقيود المفروضة على المزارعين والمنتجين المرخص لهم. ففيما يتعلق بموانع تسليم الرخصة أشارت المواد 4 و5 و6 كما هو وارد من الرسم أدناه
وإن هذه الموانع المحددة أعلاه تطرح عدة صعوبات ستبرز بشكل واضح أثناء تفعيل القانون ميدانيا، فالإشكال الأول يتعلق بقائمة الأقاليم التي سيسمح لها بزراعة وإنتاج القنب الهندي، لكن الأمر الأصعب يرتبط بصفة خاصة بالمجالات الترابية داخل هذه الأقاليم التي سيسمح لها بهذه الزراعة، فالمادة 4 أشارت إلى أن هذه المجالات والأقاليم ستصدر قائمتها بمرسوم ولا نعلم بالضبط متى سيصدر هذا المرسوم، وان كانت المعلومات التي تسربت لحدود الساعة حددت هذه الأقاليم في خمسة (الحسيمة، تطوان، وزان، تاونات، الشاون)، ولا نعلم بالضبط كيف سيتم تحديد الجماعات والدوائر التي سيسمح لها بزراعة وإنتاج القنب الهندي على مستوى هذه الأقاليم، مع العلم أن المادة 7 تتحدث عن الدواوير، ونعتقد بأن هذا التحديد سيثير غضب الساكنة التي ستحرم مجالاتها من هذه الزراعة. أما الصعوبة الثانية فتكمن في تحديد الكميات التي يتوجب على المزارعين والمنتجين زراعتها وإنتاجها في حدود الكميات الضرورية لتلبية حاجيات أنشطة إنتاج مواد لأغراض طبية وصيدلية وصناعية، ونحن لا نعرف بالضبط كيف ستتعرف الوكالة على حجم هذه الحاجيات، هل ستلجأ إلى جمع طلبيات الشركات قبل الزرع والإنتاج؟ أم ماذا؟ ومن جهة أخرى ماهي المعايير التي ستعتمدها الوكالة في هذا التحديد؟ هل سيشمل التحديد الكمي جميع المزراعين والمنتجين، أم أنه سيقتصر على الكبار منهم ممن يملكون الهكتارات؟ وهل سيكون لهدا التحديد تأثير على أسعار بيع المحصول، أم أن هذه الأسعار ستكون ثابتة؟. أما الصعوبة الثالثة فتتعلق بعدم منح رخصة زراعة وإنتاج أصناف القنب الهندي التي تحتوي على نسبة من مادة رباعي هيدروكانابينول (THC) المخدرة تتجاوز النسبة المحددة بنص تنظيمي، إلا لفائدة أنشطة الصناعة الدوائية والصيدلية، وإذا كان هذا النص التنظيمي لن يرى النور إلا بعد اعتماد هذا القانون، فإننا لا نعرف بالضبط الأصناف التي سيسمح بزراعتها، مع العلم عالميا يتواجد صنفان أساسيان وهما ساتيفا وأنديكا، وكلاهما يحتوي على كميات مهمة من مادة THC، ونحن نعتقد بأنه عوض اعتماد هذه المقاربة، كان يتوجب على واضعي النص الإشارة إلى ضرورة استخدام التقنيات المتطورة المعروفة عالميا للفصل بين مكونات نبتة القنب الهندي، وتخصيص مادة THCللأنشطة الدوائية والصيدلية. وكنا ننتظر أيضا الإشارة إلى ضرورة التركيز على الكيف البلدي المحلي لما يتوفر عليه من جودة عالية معترف بها عالميا. (يتبع).































