الغبزوري السكناوي
في حادث صادم اهتزت له مدينة “بييرا” التابعة لإقليم برشلونة، اندلع حريق مهول في مسجد قيد الإنشاء في الساعات الأولى من يوم السبت 12 يوليوز 2025. وقد سارعت فرق الإطفاء إلى عين المكان، وتمكنت من السيطرة على النيران دون تسجيل خسائر بشرية، لكن ألسنة اللهب أتت على البناية بشكل شبه كامل. المسجد، الذي كان يستعد لافتتاحه خلال أسابيع، تحوّل في لحظات إلى رماد وأسئلة مؤجلة، فيما فتحت الشرطة الكتالونية (موسوس ديسكوادرا) تحقيقًا موسعًا دون استبعاد فرضية الحرق العمد.
الحادث أثار ردود فعل قوية من أطراف متعددة. فقد أدانت الأسقفية المحلية في “سانت فيليو دي لوبريغات” الهجوم واعتبرته “عملاً عدائيًا يستهدف التعايش الديني”، فيما عبّرت بلدية “بييرا” على لسان العمدة كارمي غونزاليس عن تضامنها المطلق مع الجالية المسلمة، مشددة على أن الكراهية لا مكان لها في مجتمع ديمقراطي. أما جمعيات مدنية مثل “UCFR” فقد حذّرت من خطورة هذا الاعتداء، الذي وصفته بأنه “ليس معزولًا بل نتاج مباشر لخطاب التحريض على الإسلام”، داعية إلى حماية دور العبادة من مناخ الكراهية المتنامي.
التحقيقات الأولية لم تستبعد أن تكون الجريمة ذات خلفية إسلاموفوبية، خاصة أنها وقعت في سياق سياسي مشحون، حيث أثار حزب “فوكس” اليميني المتطرف موجة غضب واسعة بعد نشره لمقطع موسيقي يدعو إلى “العودة الجماعية” للمهاجرين، في إسقاط واضح على المغاربة والمواطنين من أصول مغربية. صحيفة El País رصدت هذا التصعيد، ووصفت محتوى الفيديو بأنه “عنصري بامتياز”، معتبرة أن الحزب يخلط عمدًا بين المهاجرين غير النظاميين والمواطنين المتجذرين في النسيج الإسباني.
يأتي هذا الهجوم أيضًا في ظل معطيات مقلقة كشف عنها معهد “إلكانو”، إذ عبّر 55% من الإسبان عن اعتبارهم المغرب تهديدًا خارجيًا رئيسيًا، وهو تطور لافت مقارنة بـ 35% فقط سنة 2021. هذا التحول في الرأي العام يثير مخاوف حقيقية من أن تتسع دائرة الشك والتمييز تجاه كل ما له علاقة بالهُوية المغربية أو الإسلامية، في ظل تواطؤ بعض المنابر الإعلامية وخطاب الأحزاب المتطرفة. لذلك، فإن حادث “مسجد بييرا” قد لا يكون سوى أول جرس إنذار لمرحلة أشد خطورة.
اللافت في كل ذلك هو أن المجتمع المدني الإسباني، وعلى الرغم من تشظيه، ما يزال يحتفظ ببعض الأصوات الواعية التي سارعت إلى الدفاع عن قيم التعدد والعيش المشترك. لكن هذه الأصوات تحتاج اليوم إلى دعم حقيقي، قانوني ومؤسساتي، لكبح جماح التحريض وجرائم الكراهية. إذ لم يعد كافيًا الاكتفاء بالإدانة، بل أصبح من الضروري أن تُفعَّل الآليات القانونية لحماية الأقليات، وتجريم كل اعتداء يستهدفهم، سواء باللفظ أو بالفعل































