الغبزوري السكناوي
تعيش إسبانيا على وقع توتر اجتماعي متزايد بعد سلسلة من الاعتداءات والعنف الذي طال مهاجرين مغاربة في بلدة *تورّي باشيكو” بمقاطعة مورسيا. فقد تفاعل سياسيون، جمعويون، ومثقفون مع هذه التطورات المثيرة للقلق، في وقت فتحت فيه النيابة العامة تحقيقًا رسميًا في شبهات جرائم كراهية، وسط دعوات متنامية للحزم الأمني والتعقل المجتمعي، وتحذيرات من تمدد خطاب التحريض.
في أعلى هرم السلطة، خرج رئيس الحكومة الإسبانية “بيدرو سانشيث” زعيم الحزب الاشتراكي العمالي، بتصريح مقتضب لكنه قوي، قال فيه إن “العنصرية لا تتوافق مع الديمقراطية”، مؤكداً أن “إسبانيا بلد الحقوق وليس الكراهية”. وجاءت تصريحاته على إثر تداول مقاطع فيديو لاعتداءات، وتحريض علني ضد المغاربة، تخللته دعوات لطردهم وتنظيم “مطاردات شوارع” في البلدة.
من جانبه، قال وزير الداخلية “فرناندو غراندي مارلاسكا” إن “أي اعتداء بدافع الكراهية سيواجه بالقانون”، مضيفًا أن مصالح الأمن شرعت في تفكيك شبكات التحريض الإلكتروني التي تقف وراء التجييش ضد المهاجرين، ومعلناً عن تعزيز الوجود الأمني في المنطقة لضمان سلامة الساكنة ومنع أي انزلاق جديد.
لكن رد الفعل الحكومي تزامن مع انقسام سياسي واضح داخل الساحة الإسبانية، لا سيما بعد أن اعتبر بعض قياديي حزب “فوكس” اليميني المتطرف أن هذه الأحداث تمثل “رد فعل طبيعي” على ما وصفوه بـ”فشل سياسة الهجرة”. هذه التصريحات وُوجهت بانتقادات واسعة من أحزاب اليسار والوسط، التي اعتبرت كلام “فوكس” تبريراً غير مباشر للعنف العنصري.
وفي هذا السياق، عبّر حزب “بوديموس” عن استغرابه من “صمت بعض المؤسسات” تجاه التحريض العلني ضد الجالية المغربية، فيما طالبت النائبة “إيرين مونتيرو” بفتح تحقيق برلماني مستقل حول دور الخطاب السياسي المتطرف في تأجيج التوتر، قائلة: “التحريض ليس رأيًا، بل جريمة”.
في المقابل، سارعت منظمات مدنية إسبانية للدفاع عن الجالية المغربية. فقد دعت منظمة SOS Racismo إلى حماية الضحايا، وتوثيق الاعتداءات، مؤكدة أن “خطاب الكراهية بدأ يترجم إلى فعل مادي يستهدف فئة بعينها”. وشاركت المنظمة في وقفات تضامنية في مورسيا ومدريد تحت شعار “لا للكراهية، نعم للعيش المشترك”.
أما في المشهد الثقافي والإعلامي، فقد كتب الصحفي الإسباني *غونزالو ميرّو” في مقال نشرته صحيفة La Sexta، أن ما حدث في “تورّي باشيكو”,, ليس “حدثًا معزولًا”، بل هو “تجسيد لسياسات الإقصاء التي تُغذّى شعبويًا”، محذرًا من “تأثير العدوى” التي قد تؤدي إلى تكرار هذه النماذج في مدن أخرى. كما أشار إلى أن حالة الصمت الشعبي في بعض الأحياء تُنذر بخطورة الشعور بالحصار لدى الجالية المغربية.
يُشار إلى أن الأحداث اندلعت في أعقاب مواجهات بين شبان مغاربة وإسبان في المنطقة، ثم تصاعدت لتشمل اعتداءات على مقاهٍ ومنازل ومحلات يملكها مهاجرون مغاربة. كما تم تداول مقاطع تدعو للعنف تحت عناوين مثيرة مثل “ثورة تورّي باشيكو”، قبل أن تتدخل الشرطة وتعتقل عددًا من المتورطين.
وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الأصوات المنادية بمراجعة شاملة للسياسات الموجهة للهجرة والاندماج، وتحصين الخطاب العام من الانزلاق نحو التطرف. كما يطالب فاعلون حقوقيون الحكومة الإسبانية بوضع استراتيجية متكاملة لمكافحة العنصرية، تشمل الإعلام والمدرسة والمسجد والفضاء الرقمي، دون الاقتصار على التدخلات الأمنية الظرفية.
في المجمل، تكشف أحداث “تورّي باشيكو” عن هشاشة التوازنات المجتمعية في إسبانيا، وتطرح على الدولة والمجتمع أسئلة عميقة بشأن النموذج المطلوب للتعايش في مجتمع متعدد الثقافات. فهل تكون هذه اللحظة فرصة للمراجعة، أم مدخلاً لانتكاسة ديمقراطية يجرّها التطرف وغياب الحوار































