شهدت أوروبا خلال الأسبوع الجاري سلسلة من الأحداث التي أعادت إلى الواجهة سؤال التمييز والهوية داخل الفضاء العام. ففي إسبانيا، اندلعت موجة من التنديد عقب أحداث “تورّي باشيكو” وحرق مسجد في بلدة “بييرا”، وسط اتهامات بوجود عنصرية ممنهجة ضد المغاربة. وفي فرنسا، انفجرت أزمة سياسية بعد أن ردّت وزيرة الثقافة رشيدة داتي بغضب داخل مجلس الشيوخ، قائلة “أنا لست خادمتك… لقد انتهى زمن كان فيه والدي يعمل عند والدكم!”
هكذا، يتداول عدد من نشطاء مواقع التواصل الإجتماعي مقطع فيديو يُظهر وزيرة الثقافة الفرنسية رشيدة داتي وهي تدخل في مشادة كلامية حادة داخل مجلس الشيوخ، خلال جلسة خُصصت لمناقشة إصلاح الإعلام العمومي، يوم الأربعاء 10 يوليوز 2025. وقد أثار المقطع تفاعلاً واسعًا، بسبب العبارات التي صدرت عن الوزيرة، والتي حملت دلالات طبقية وهوياتية لافتة.
في خضم الجلسة، وأثناء مداخلتها بشأن مشروع الحكومة لإعادة هيكلة القطاع السمعي البصري، قامت السيناتورة “ماري‑بيير دو لا غونتري” (الاشتراكية) بمقاطعة داتي بإيماءة وتعبير غير مريح، ما دفع الوزيرة إلى الردّ بغضب “احترميني… أنا لست خادمتك! لقد انتهى الزمن الذي كان فيه والدي يشتغل عند والدكم!”. هذه العبارة سرعان ما تحولت إلى محور جدل واسع، تجاوز أروقة البرلمان.
الصحافة الفرنسية تلقفت الحدث بسرعة، حيث وصف الصحفي “مارك مورانديني” -عبر منصته- التصريح بأنه “اللكمة السياسية الأقوى لهذا الأسبوع”، مشيرة إلى أن “داتي استعادت جذورها لتضع حداً لمحاولات التحقير الطبقي”. من جهتها، عنونت Le Figaro تقريرها بـ “عمل انتقامي من رشيدة داتي… مشروع القانون مرّ باستفزاز غير مسبوق”، في إشارة إلى لجوء داتي إلى المادة 44.3 لفرض التصويت دون نقاش مطول.
من جانب الطبقة السياسية، دافعت “أميلي أوديا‑كاستيرا” وزيرة التربية الوطنية، عن داتي في تغريدة نشرتها قائلة: “رشيدة داتي قالت بصوت عالٍ ما يشعر به كثيرون في صمت. الكرامة ليست موضع مساومة.” في المقابل، انتقد النائب “إيريك سيوتي”، رئيس حزب الجمهوريين، أسلوب داتي، معتبراً أن ما حصل هو “خروج عن السياق المؤسساتي، واستعمال للهويات الشخصية في نقاش يفترض أن يكون تقنياً وتشريعياً”.
في صفوف اليسار، ساند القيادي بالحزب الشيوعي “فابيان روسيل” الوزيرة قائلاً في تصريح لجريدة L’Humanité: “رغم خلافنا السياسي، لا يمكن السكوت عن تكرار نظرات الاستعلاء في المؤسسات. ما فعلته داتي كان صرخة طبقية في وجه النخبة.” أما حزب فرنسا الأبية (LFI)، فقد اعتبر على لسان “كليمانين أوتين” أن “الوزيرة حوّلت الأنظار عن قضايا جوهرية تخص استقلال الإعلام العمومي، عبر إثارة جدل جانبي.”
الرأي العام بدوره انقسم بين من رأى في موقف داتي تعبيراً شجاعاً عن كرامة أبناء الطبقات الشعبية، ومن رأى فيه محاولة سياسية لتأجيج المشاعر واستدرار التعاطف. ومع اتساع رقعة النقاش، ظهرت تساؤلات جديدة حول التمييز الخفي داخل النخبة الفرنسية، وحدود ما يمكن أن يُقال تحت قبة البرلمان.
وتبقى هذه الحادثة علامة دالة على اشتباك الهويات في قلب العمل السياسي الفرنسي، ومرآة لحساسية العلاقة بين النخبة والتمثيلية الاجتماعية، في بلد ما يزال يتلمس طريقه نحو المساواة التامة داخل مؤسساته.































