الغبزوري السكناوي
يَرْصُد متتبعون للشأنين المغربي والإسباني تباينًا لافتًا في التفاعل الرسمي والمدني والإعلامي مع أحداث العنف التي طالت مهاجرين مغاربة في بلدة تورّي باشيكو جنوب إسبانيا، ويعتقدون أن هذه الحوادث ليست مجرد وقائع معزولة، بقدر ما تُعد مؤشرا على تحولات أعمق في العلاقة بين الدولة والمهاجر، وبين الخطاب السياسي وسردية الهجرة.
يرى محللون أن التفاعل الإسباني الرسمي بدا حذرًا ومحدودًا من حيث النبرة والموقف، حيث اكتفى رئيس الحكومة الإسبانية بإدانة عامة لخطاب العنصرية، دون التطرق إلى تفاصيل الواقعة أو الإشارة إلى المسؤوليات المباشرة، وهو ما فُسر على أنه محاولة لتفادي التصعيد في سياق سياسي داخلي متوتر. ويُعتقد أن حساسية ملف الهجرة وتنامي نفوذ اليمين المتطرف ساهما في تشكيل هذا الخطاب المتردد.
وفي المقابل، يلاحظ أن بعض القيادات السياسية الإسبانية، خاصة في صفوف اليمين، سارعت إلى توظيف الحادث ضمن أجندة أمنية محضة، محمّلة المهاجرين بشكل غير مباشر مسؤولية ما جرى، مما أثار قلقا في أوساط حقوقية ترى في هذه المقاربة تبسيطًا خطيرًا للواقع، وتنميطًا لمجتمع كامل بناءً على حوادث معزولة.
من جانب آخر، يشكك فاعلون إعلاميون في قدرة بعض المنابر الإسبانية على تغطية متوازنة لمثل هذه الوقائع، إذ تُتهم بعض الصحف والقنوات بتضييق زوايا المعالجة، أو بتقديم الحدث خارج سياقه، ما قد يُسهم في تغذية مناخ التوتر عوض تهدئته. في المقابل، يُسجَّل أن وسائل إعلام أخرى، ذات توجه تقدمي، أبرزت أصوات الضحايا ولامست جذور الظاهرة، مما يعكس، حسب البعض، انقسامًا في بنية الإعلام الإسباني بين اتجاهَيْ التهدئة والتصعيد.
أما التفاعل المغربي، فيبدو أنه اختار نهجًا دبلوماسيًا هادئًا، عبّر عنه بلاغ القنصلية المغربية بمورسيا، الذي أشار إلى الانشغال بما جرى، مع تأكيد متابعة الوضع بتنسيق مع السلطات الإسبانية. ويرى مراقبون أن هذا الحذر المغربي يعكس رغبة في عدم الإضرار بعلاقات الشراكة، خاصة في ملفات استراتيجية تتقاطع فيها قضايا الهجرة والأمن والاقتصاد.
رغم ذلك، يؤكد فاعلون حقوقيون أن بلاغات القنصليات والمؤسسات الرسمية تظل غير كافية ما لم تُرفق بتحرك دبلوماسي واضح وبخطة عمل ميدانية تتضمن التمكين القانوني للجالية وتأطيرها لمواجهة أي اعتداءات مستقبلية. ويعتقد البعض أن الغياب النسبي لخطاب قوي من طرف الإعلام الرسمي المغربي، مقارنة بالنشاط الرقمي والمدني، يُضعف من أثر الرسالة المغربية ويقلل من فعاليتها على الساحة الدولية.
وتُسجّل، في هذا السياق، دينامية لافتة للجمعيات المغربية العاملة بإسبانيا، التي سارعت إلى إطلاق حملات توعية، وتقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا، مع توجيه نداءات للمؤسسات الرسمية من أجل تحمل مسؤوليتها. كما نشطت الجالية على منصات التواصل الاجتماعي في توثيق الحوادث والمرافعة الحقوقية، مما يُظهر، بحسب مراقبين، وعيًا متناميًا بأهمية التوثيق والرصد كآليات ضغط.
في المقابل، يُطرح تساؤل حول غياب تنسيق واضح بين هذه الجهود المدنية والدبلوماسية الرسمية، حيث يرى محللون أن المغرب بحاجة إلى تفعيل قنوات الدبلوماسية الموازية، وتوسيع أدوار المجالس والمؤسسات المعنية بالمغاربة المقيمين بالخارج، من أجل تمكين الجالية ليس فقط من الحماية، بل أيضًا من المرافعة والدفاع عن حقوقها داخل بلدان الإقامة.
من جهة أخرى، يؤكد متابعون أن هذه الأحداث تُعيد إلى الواجهة قضية التوازن بين حرية التعبير ومواجهة خطاب الكراهية داخل المجتمع الإسباني، خاصة مع ما يُلاحظ من تراخٍ أحيانًا في محاسبة المحرضين أو محاورتهم إعلاميًا دون مساءلة، مما يُسهم في تطبيع العنف الرمزي ضد المهاجرين.
وفي الخلاصة، يشير مراقبون إلى أن التفاعل الرسمي من الطرفين لم يبلغ بعد مستوى الأزمة، إذ لا تزال الرسائل محصورة في الإطار البروتوكولي. ويُعتقد أن مستقبل العلاقات بين الضفتين سيتأثر بمدى قدرة كل طرف على الاستجابة لانتظارات مجتمعه دون التفريط في التوازنات الاستراتيجية، في حين يُتوقع أن تستمر الجاليات، ومعها القوى المدنية والإعلامية، في لعب دور حاسم في توجيه الرأي العام، وفرض خطاب أكثر إنصافًا وإنسانية في التعامل مع قضايا الهجرة والاندماج.































