الغبزوري السكناوي
يبدو أن شعار “تشبيب الإدارة” في عمالة الحسيمة لا يُترجم إلا في صيغته الساخرة.”دعوا الكهول في مناصبهم، وامنحوا الشباب حصةً في لائحة الانتظار!” فبعض الأقسام لم تعد إدارات عمومية، بل تحوّلت إلى أندية تقاعد مؤثثة بشيبٍ إداري وأوراق صفراء لا تتحرك إلا بمراسلات التذكير، هناك، الزمن لا يمرّ… بل يتكئ على الكراسي نفسها منذ عقود، والأجساد لا تغادر مواقعها إلا إلى المقابر أو الإنعاش، أما الشباب، فعليهم أن يؤمنوا بأن الخبرة لا تعني الكفاءة، بل تعني طول البقاء في الظل دون أن يزعج أحد أحدًا.
أظن أن أهم ورش ينتظر عامل الحسيمة، ليس ذلك الورش الذي تُقص أشرطته أمام الكاميرات، بل ذاك الورش الخفيّ، الثقيل، العالق بين رفوف الإدارة ونَفَس الموظفين، ورش لا يُرى في الصور، بل يُشمُّ في هواء الأقسام، ويُلمس في برودة التوقيع، ويُسمع في همس السأم، إنه ورش تجديد الدماء في عمالة ما تزال شرايينها تضخ مصل “التمديد الإداري”، وتُؤجل الكفاءات كما تُؤجل الإصلاحات، جيل كامل من الشباب ما يزال عالقًا في قاعة الانتظار
في زاوية غامضة من هذه الإدارة الترابية، بات التقاعد مجرد مرحلة رمزية لا تعني شيئًا فعليًا، مادام “التمديد” أصبح عرفًا مقدّسًا لا يُردّ له طلب، خاصّة إذا كان المستفيد من أصحاب الحظوة و”البطاقات اللامرئية”، هناك، حيث تُصرف لهؤلاء أجورا تفوق رواتب ثلاثة موظفين، ليس على أساس الاستحقاق أو الكفاءة بل بمنطق “الخبرة المتوارثة”، تُستدعى الذاكرة الجماعية لتستوعب مشهدًا غريبًا، متقاعدون يتقاضون أجورا إضافية من الصناديق المعلومة، وكأن الإدارة قد نضبت من الأطر إلى درجة الاستنجاد بـ”الحنين الإداري”
في مدينتي لم يعد التقاعد نهاية الخدمة، بل مجرّد تغيير في الزيّ الإداري، فبعض “الحكماء”، ممن ذاقوا سكينة المنابر، وألفوا صمت المراسلات ووشوشات المكاتب، وسافروا طويلًا على خرائط الإمتياز، لم يُسلِّموا المفاتيح بعد، عادوا من باب خلفي اسمه “التمديد”، لا كمسؤولين، بل في هيئة أكثر تواضعًا “اعوان فوق العادة”، لكن بأجور تليق بوكلاء البورصة، معاش سمين، وفوقه مكافأة شهرية مقابل “الخبرة المتراكمة في الصبر الإداري”! بعضهم اعتبر الأمر ترقية روحية، فاستقدم أهله للمشاركة في طقوس “ما بعد التقاعد”.
أظن أنه لا يمكن لأي إصلاح حقيقي أن يبدأ قبل أن ننظر داخل بيت الإدارة الإقليمي، ونسأل أنفسنا بكل براءة، هل التقاعد لا يزال ساريًا؟ أم أن هناك طقوسًا سرية تُقام كلما اقترب البعض من سن المغادرة، فيتحول من مرشّح للتقاعد إلى مرشّح للتمديد، وربما للخلود؟ أقول ظني، لأنه كلما سألت عن الأمر، واجهتني تلك الابتسامة الرمادية التي تقول كل شيء دون أن تقول شيئًا، تلك الابتسامة التي تحوم بين الحيرة والتمويه، بين الإقرار والإنكار، كما لو أن سر الخلود الإداري محاط بطبقات من الغموض والإستثناءات.
هكذا، تظل الأعمار الوظيفية مجرد أرقام تُعاد صياغتها حسب مزاج الغرفة المغلقة، وكأن سن التقاعد في هذه الإدارة ليس سوى أوراق لعب يُعاد توزيعها على طاولة المصالح، بينما المواطنين ينتظرون الحلول على أطراف “الباب”، وكلما اقتربت ساعة الحساب، بدت القاعات الإدارية وكأنها تمارس رقصة أبدية، حيث لا رحيل، ولا وصول، فقط تمديد دائم للزمن والمسؤوليات، وكأن المسؤول نفسه يتحول إلى تمثال يُخلّد في صمت، لا يقبل بالرحيل، ولا يمنح الفرصة لجيل جديد.
تخيّل أن تزور مصلحة ما أو قسما معينًا، فتجد أن بعض الموظفين أو الرئيس قد تقاعد منذ سنوات، لكنه لا يزال هنا، في مكانه، على مكتبه، أمام حاسوبه، يوقّع بنفس القلم الذي أصبح بدوره مستحقًا للتقاعد، تسأل بدهشة “أليس هذا فلان؟”، فيُقال لك وهم يخفضون أصواتهم بخشوع إداري، “بلى، لكنه ممدد له… للمرة الثالثة”، وكأنك في موسم حج بيروقراطي، حيث التمديد هو الطواف الثامن لمن أصرّ على ألا يبرح مقامه، ولا يرى في المغادرة إلا خيانة للمقام.
تتأمل الوجوه حولك، فتدرك أن بعمالة الحسيمة، لا يُقاس بالسنوات، بل بالقرارات الاستثنائية والمكالمات الغامضة، وأن كل تمديد ليس إلا إعلانًا غير مكتوب عن بقاء الوضع على ما هو عليه، ولو انقلبت الدنيا خارج النوافذ، المسؤول الممدد لا يشيب ولا يملّ، بل يتجدد بإذن فوقي، لا يخضع لا لقانون ولا لسقف…
في لحظة ضعف، تصورت أن المسألة تتعلق بالكفاءة، قلت في نفسي، ربما هؤلاء الأشخاص عباقرة زمانهم، لا يُعوَّضون، قد يكونوا خزان خبرة لا تنضب، ركيزة لا تُزحزح، لكن، حين رأيت أن الكثير من الأقسام الإدارية تعاني من نفس “الخلود الوظيفي”، بدأت أشك، ظني أن الأمر أكبر من مجرد حرص على المصلحة العامة، ربما هناك شيء ما يُدار خلف الكواليس
والأدهى من ذلك، أن بعض هؤلاء لم يأتِ بمفرده، جلبوا معهم أبناءهم وأصهارهم وربما حتى أبناء الجيران وأصدقاء الدراسة، تكاد تقول إن الإدارة أصبحت ضيعة عائلية، فيها الأجداد يقرّرون، والأحفاد ينفذون، والغرباء ينتظرون فرصة لا تأتي، في ظني، هذه الحالة تشبه استيلاء القبائل على قرى خالية، من دخلها أولًا، قسمها على أهله، وكتب فوق الباب “لا مباريات تُفتح إلا بعد التقاعد الثاني أو الثالث”.
الجميع في وضعية انتظار إداري مزمن؛ الموظف الشاب يترقب أن يُفتح باب التباري، لكن الباب موارب على الدوام، كأنه ينتظر بدوره إشارة من جهة خفية لا تُفصح، المواطن يتأمل دوره في الطابور، ويُمنّي النفس بأن تُقضى مصلحته قبل أن يتقاعد هو الآخر من الانتظار، أما المسؤول الأول، فينتظر ما يسميه “الوقت المناسب” لفتح ورش غربلة الموارد البشرية، وقتٌ لا يأتي أبدًا، أو لا يُراد له أن يأتي، لأنه يبعثر توازنات دقيقة لا تتحمل الضجيج…
والحقيقة أن هذا الانتظار لم يعد حالة مؤقتة، بل صار نظام تشغيل إداري غير معلن، ترقيات تُؤجَّل، إصلاحات تُجمَّد، محاسبات تُنسى، بينما الكفاءة تُقصى كما يُقصى المنطق من جلسات المجاملة، كل شيء يبدو عالقًا في مرحلة “قريبًا”، كأننا في إدارة تجيد فن التهيئة ولا تجرؤ على التنفيذ، ولذلك، فالورش الحقيقي ليس في ترميم بناية أو في إطلاق منصة إلكترونية، بل في كسر منطق التمديد ذاته واقتلاع جذوره، لأن التقاعد ليس مؤامرة، لكنه صار كذلك حين تحوّل إلى خيار شخصي لا إلى استحقاق قانوني.
غربلة العمالة أصبحت من بين الملفات المؤجلة إلى أجل غير مسمّى، رغم أنها أحد المفاتيح لفهم كيف تحوّلت المكاتب الإدارية إلى صناديق منغلقة، نوافذها موصدة، لا يدخلها سوى هواء التكرار ورتابة الأيام، إن فتح أبواب التباري النزيه أمام كفاءات شابة ليس ترفًا ولا مجازفة، بل ضرورة أخلاقية قبل أن تكون خيارًا إداريًا، لذلك، إن كنا فعلاً نريد عدالة إدارية حقيقية، فلنبدأ من هذه المفارقة العجيبة، كيف نقنع الشباب بالانخراط في العمل العمومي، ونحن نغلق الأبواب أمامهم باسم “الخبرة” و”المصلحة العامة”؟ بينما المصلحة الوحيدة التي تُراعى، في الغالب، هي مصلحة شخص واحد… يرفض المغادرة































