*جمال الكتابي
مقدمة:
مع بداية سنة 1954، قبل 70 سنة، سيبدأ الفصل الأخير من مسار طويل للمقاومة الفيتنامية ضد احتلال فرنسا للهند الصينية، والذي سينتهي بانتصار المقاومة الشمالية يوم 7 ماي 1954 في أعظم ملحمة شهدها القرن العشرين، وذلك بعد معارك بطولية مازال يرويها قدماء المحاربين الفيتناميين إلى الآن. هذا الانتصار سينهي الوجود الفرنسي بالهند الصينية من جهة، وسيفتح من جهة أخرى فصلا جديدا من المقاومة ضد الوجود الأمريكي في فيتنام الجنوبية والتي تسمى بالحرب الأمريكية. بل هذا الانتصار سيشكل الزاد المعنوي لاستنهاض الهمم ضد الاحتلال الفرنسي في باقي مناطق المعمور، وضمنها المنطقة المغاربية.
جاء ضمن مذكرات السفير الصيني بالمغرب بين 1974 و 1980 السيد تشنغ دايونغ ما يلي:” عندما زار مساعد الخارجية الصينية السيد نشو إنلاي المغرب دجنبر 1963 لقي ترحابا خاصا من طرف الملك الحسن الثاني (..) وأثناء محادثتهما قال له الحسن الثاني أن لولا معركة ديان بيان فو، ما كان للمغرب أن ينال استقلاله (..)”،
هذه المعركة غيرت وجه العالم حسب العديد من الدارسين والباحثين والسياسيين، من بينهم الصحفي والمؤرخ الأمريكي-الفرنسي المخضرم الراحل ‘تيد مورغان’، وذلك من خلال كتابه تحت عنوان “وادي الموت، تراجيديا ديان بيان فو”. مورغان اشتغل ما يزيد عن 20 سنة على الموضوع ليرسم، بشكل قاسي أحيانا، كل اللاعبين الأساسيين، الذين قادوا الجيش الفرنسي بالهند الصينية إلى كارثة تاريخية غير مسبوقة، حسب الباحث. مورغان سيكشف لأول مرة من خلال اطلاعه على تقارير حصرية غاية في السرية، لم ترفع عليها فرنسا السرية إلى الآن، على اقتراح الولايات المتحدة الأمريكية لتسليم فرنسا قنبلتين نوويتين تكتيكيتين من أجل إنهاء المشكل. مورغان سيخلص إلى أن قصة وادي الموت لم تروى بعد.
بالإضافة إلى مورغان أصدرت الباحثة والمؤرخة الفرنسية نيلسيا ديلانوي سنة 2002 دراسة هامة تحت عنوان ” غبار الامبراطوريات”، وأصدرت بعدها سنة 2003 دراسة مشتركة مع باحثة فرنسية أخرى (كارولين غريو) من أصل مغربي-فيتنامي تحت عنوان “من الدار البيضاء إلى هانوي”. الدراستان تتفقان على أن عبد الكريم كان اللاعب الأساسي وغير المرئي في الكثير من الحالات، خاصة دوره في ‘تفجير’ الفيلق الأجنبي الفرنسي بفيتنام من الداخل، والذي كان أغلب جنوده من المغاربيين.
فلأول مرة أصادف دراسة أجنبية تقول أن إرسال” جنيرال معروف” من المغرب إلى فيتنام لتأطير الجنود المغاربيين المنشقين، والهاربين إلى الثوار، تم بموافقة عبد الكريم والحزب الشيوعي المغربي معا. نيلسيا وضعت الأصبع على نقطة ضعف الجيش الفرنسي آنذاك، ومن خلال نقطة الضعف هاته تسلل عبد الكريم بطلب من هوشي منه، تقول.
من خلال هذه الدراسات المشار إليها أعلاه (مورغان ونيلسيا-كارولين) وقصاصات الإعلام المصري والمراسلات الخاصة لعبد الكريم ولقاءاتي الشخصية مع بعض قدماء المحاربين بفيتنام، وعائلات قدماء المحاربين المغاربة بفيتنام ودراسة الاستاذ عبد الله ساعف، سأحاول اقتفاء أثر، ودور، عبد الكريم بفيتنام بشيئ من التفصيل مع الإشارة إلى لاعبين آخرين طبعا. وختامها مسك بمقارنة بين ملحمتي أنوال وديان بيان فو ونحن على مقربة من ذكرى أنوال.
عبد الكريم وحرب فيتنام:
مباشرة بعد وصول عبد الكريم يوم 31 ماي 1947 إلى القاهرة قادما من منفاه بجزيرة لاريونيون، تواصل معه رئيس جمهورية فيتنام الشعبية “هو شي منه” من خلال رسالة مؤرخة يوم 5 يونيو 1947، أي بعد أربعة أيام فقط من نزوله في مصر، كما لو أنه كان في انتظار ‘فكاك لوحايل’. القائد الفيتنامي طلب من عبد الكريم، بعد أن هنأه باستعادة حريته، بأن يمده “ببركته”، التي تتمثل في “استخدام نفوذه الروحي الكبير لدعوة مواطني شمال أفريقيا رفض التجنيد إلى فيتنام ورفض شحن البواخر الفرنسية..” كما جاء في نص رسالة هوشي منه.
عبد الكريم لم يتوانى فعلا في تقديم المساعدة لهوشي منه على شكل نداءات متكررة موجهة للمجندين المغاربيين وعمال الشحن بوهران أو على شكل التعاون الاستخباراتي. بهذا الصدد يقول أحد المجندين المغاربة في حرب فيتنام أن بعد إبحارهم لعدة أسابيع من ميناء وهران في اتجاه فيتنام رست سفينتهم في ميناء سايغون سنة 49-51، وخلال مروره بالمدينة ذات مساء ودخوله مقهى مالكها هندي، سمع بالصدفة نداء عبد الكريم على أمواج صوت العرب، وهو يطالب المجندين المغاربيين بالانشقاق والالتحام بجيش التحرير الذي يقوده هوشي منه. هذا النداء سيزيد بدون شك من توسيع دائرة الشك لدى هؤلاء المجندين.
عبد الكريم ومعه قادة حزب الشعب الجزائري [بتعاون مع رجال ملك فاروق] شكلوا غرفة ‘العمليات’ بالقاهرة مدعومة بلجان من الجزائر والمغرب ومصر. هذه اللجان كانت مكلفة بجمع المعلومات حول تنقل وشحن المعدات العسكرية والمجندين على السفن الفرنسية المتجهة من الجزائر نحو الهند الصينية. ميناء وهران كان حينها مركز هذه العمليات. غرفة العمليات بالقاهرة كانت تتلقى الإشارات والتقارير بانتظام حول مكونات وتفاصيل هذه الشحنات وكذا توقيت انطلاقها من ميناءات الجزائر الفرنسية. فكان الجنود المصريون على عهد الملك فاروق يوقفون كل البواخر العسكرية الفرنسية المتجهة نحو الهند الصينية عبر قناة السويس لتفتيشها، ويقترحون على المجندين النزول إذا أحسوا أنهم مجندين تحت الإكراه. هناك العديد منهم من اختار النزول في مصر للعودة الى ديارهم أو البقاء في مصر. وحتى تكون المعلومات الاستخباراتية أكثر دقة استطاع عبد الكريم استقطاب العديد من المراقبين المدنيين من أصل جزائري/مغربي/تونسي يشتغلون في نقط العبور لصالح فرنسا من بينهم “بوزار” قبل انتقاله من القاهرة إلى المغرب (تطوان) سنة 1955.
الإعلام المصري، خاصة الأهرام، واكبت هذه التطورات، من خلال نشرها لعدة قصاصات تهم هذا العمل الاستخباراتي.
كما قالت الباحثة الفرنسية نيلسيا، عبد الكريم درس بشكل جيد نقط ضعف الفيلق الفرنسي للهند الصينية، مستفيدا من تجربته المريرة مع هذا الفيلق في حرب الريف. فعبد الكريم سبق أن وجه نفس النداء تقريبا يوم 10 غشت 1925 “إلى الأمة التونسية والجزائرية” حيث طالبهم برفض التجنيد في صفوف الفيلق الأجنبي الفرنسي، الذي كان يقاتل آنذاك بالريف، لأن:” أربعة أخماس الجيوش التي هي على حدودنا شاهرة السلاح في وجوهنا هم من أبناءكم (..) نعم لقد فر من الوجهة الفرنسوية ملتجئا إلينا عدد غفير من أبنائكم الجنود والقواد وبادروا للقتال في صفوفنا..:”. حسب النداء. فبفضل نداءاته المتكررة حينها الموجهة إلى كل الجنسيات المشكلة للفيلق الفرنسي (أو الاسباني) في حرب الريف، خاصة المغاربيين والألمان ( 80%)، بدأت الانشقاقات على محور تازة، تاوريرت، تاونات وعين عيشة بالعشرات مع حالات الهروب المتكررة، بل هناك منهم من التحق بصفوف المقاومة، واختار عبد الكريم المؤطرين لهم من صفوفهم. هذا النزيف عجل بدوره الماريشال بيتان لتوجيه الضربة إلى عبد الكريم من خلال إنزال الحسيمة وفرض الحصار على الريف.
عبد الكريم نقل هذه التجربة بكثير من الإبداع إلى الهند الصينية مع إرسال منذ الوهلة الأولى مؤطر ذي خلفية نقابية وعسكرية ويتحدث الفرنسية وشيوعي، إنه الجنيرال معروف.
تقول الباحثتان الفرنسيتان بصدد هذه النقطة في إصدارهما المشترك :” طلب العم ‘هو شي منه’ من عبد الكريم اختيار شخص من شمال أفريقيا قادر على زعزعة قوة الاستطلاع الفرنسية في الشرق الأقصى من خلال تحريض قواتها (الشمال أفريقية) على التخريب والانشقاق. وهكذا، تم إرسال معروف إلى هانوي، ولم يتم ترقيته إلى رتبة جنيرال فحسب من طرف هوشي منه شخصيا، بل إلى قائد لفيلق المنشقين وما يُسمى بـ”المسلمين”، وخاصة مواطنيه المغاربة..”
في نفس الاتجاه، يقول الراحل الكولونيل الطود في تصريح خاص للاستاذ ساعف أنه بأمر من عبد الكريم سيسافر إلى الصين أواسط الخمسينات على رأس 30 ضابطا انهوا مهامهم التدريبية في عدة تخصصات، وسيلتقي بالقيادة الفتنامية على الحدود الصينية الفيتنامية بحضور “الجنرال معروف” الذي سلمه رسالة لعبد الكريم. يقول ساعف أن علاقة عبد الكريم بهوشي منه “كانت تتعدى المجاملات، لتصل إلى التعاون الاستخباراتي بين هوشي منه ورجال عبد الكريم:”.
و تقول قصاصة الاستخبارات الفرنسية الموجودة ضمن الأرشيف العسكري الفرنسي ما يلي:” أدركت حركة فيت منه [ هوشي منه] بوجود رعايا من دول مستعمرة ضمن قوات الحملة، من هنا وجهت إليهم حملة دعائية مكثفة مما أدى إلى ظهور ” مفرزة من مجندي شمال إفريقيا”، وهكذا استطاع المندوب الذي أرسله عبد الكريم أمير “جمهورية الريف” المنفي في مصر، إلى هوشي منه، إلى إنشاء قرى حقيقة لأسرى العرب وأدار لهم حياة تشبه بحياة البلاد..:”.
تقول المؤرخة نيلسيا :” ما يهمنا هنا هو أن ‘معروف’ كان يطلق نداءات ومناشير باسم عبد الكريم، من قبيل “إن عبد الكريم معنا، عبد الكريم يحب فيتنام” لأن اسمه يرتبط بصورة المحارب الذي، إن لم يهزم العدو، على الأقل حاربه، ينحني دون أن ينكسر أبدا، لذى فهو خير ضمانة ونموذج وأمل لرجال في الشدة..:”
ومما يؤكد أن عبد الكريم كان على علم بتطورات الوضع وأن نداءاته كان لها تأثير في نزيف اللفيف الفرنسي بفيتنام هو تأكيده في نداءه الثاني الموجه إلى المجندين حيث ورد” إني لواثق تمام الثقة بأن ندائي الجديد سيلقى منكم ما لقيه ندائي السابق إلى إخوانكم في فيتنام، وإنكم سوف تنظمون زرافات ووحدانا إلى صفوف الأحرار وتساهمون معهم في القضاء على الاستعمار والعبودية..:”.
يبدو أن هوشي تعلم من عبد الكريم ليس فقط حرب العصابات بل كذلك تفتيت جيوش الامبراطوريات من الداخل.
وادي الموت، تراجيديا ديان بيان فو:
أصدر المؤرخ والصحفي الفرنسي-الأمريكي الراحل ‘تيد مورغان’ سنة 2010 كتابا تحت عنوان” وادي الموت”. المؤلف اشتغل على التقارير الحصرية، لأول مرة، لإنشاء الرواية الأكثر اكتمالًا ودراماتيكية لهذا الصراع على الإطلاق من وجهة نظر الغرب/فرسا.
لقد كتب المؤلف الحائز على جائزة بوليتزر وصفا غنيا للمعركة المصيرية التي أنهت الحكم الفرنسي في الهند الصينية، وأدت بلا هوادة إلى حرب فيتنام الأمريكية في الجنوب لاحقا.
كان ديان بيان فو وادا بعيدا على حدود لاوس على طول طريق تجاري ريفي بسيط، لكنه سيكون أيضا المكان الذي ستسقط فيه قوة أوروبية عظمى أمام جيش “متمرد” تم التقليل من شأنه وفقدت بذلك السيطرة على الهند الصينية كاملة. وادي الموت هي القصة غير المروية لمعركة غيرت مسار التاريخ في ستة أسابيع حسب المؤرخ الأمريكي ستاينلي في كتابه فيتنام: ‘بداية التاريخ’.
الخطة الفرنسية المشؤومة لبناء قاعدة عسكرية متقدمة في ديان بيان فو ومحاولة جر الفيتناميين إلى هزيمة هناك، أدت بدلاً من ذلك إلى تطويق فرنسا وحلفائها في التلال المحيطة، ومحاصرتهم بخطة حرب العصابات، واجتياحهم نهائيا يومي 7 و 8 ماي 1954.
فبالإضافة إلى اشتغاله على الأرشيف والتقارير الحصرية، استمع المؤلف، مورغان، إلى العديد من المسؤولين العسكريين والجنود الفرنسيين الذين شاركوا في هذه المعركة. من خلال ذلك سيكشف مورغان عن الجهود الأمريكية الحثيثة لمساعدة فرنسا، مع ازدراء أيزنهاور للجهود الفرنسية وقلقه وتنبئه من أنه “لا يوجد انتصار عسكري ممكن في هذا النوع من المسرح”. لذا اقترح وزير خارجية أمريكا حينها جون فوستر دالاس على وزير الخارجية الفرنسي جورج بيدو قنبلتين نوويتين تكتيكيتين من أجل توجيه ضربة نووية إلى الثوار، حسب مورغان (ص 474-485).، لكن فرنسا رفضت لسببين، أولهما يأسها المطلق في إمكانية إحراز تقدم والنصر على شعب مصمم على التحرير، ثانيهما أن هول ضربة هيروشيما كانت ماتزال ماثلة أمام أعين العالم. مورغان كان أول شخص يزيل اللثام عن هذه المعلومة التي بقيت دائما طي الكتمان. مورغان سيحصل بشكل حصري على تقرير تلك الجلسة التي جمعت وزيري الخارجية، مستغلا وضعه الاعتباري كمحارب سابق، وإبن دبلوماسي فرنسي مرموق قضى في تحطم طائرته المقاتلة فوق ألمانيا سنة 1943 في مواجهة النازية ضمن قوات فرنسا الحرة.
مورغان رسم صورًا لا تمحى، ضمن الفصل الأول للكتاب، لجميع اللاعبين الرئيسيين، بدءًا من هنري نافار، قائد قوات فرنسا بالهند الصينية، وهو شخص محترف لكن لم يكن مستعدا لمواجهة عدو محصن بالأرز والأنفاق، مرورا بقائده الجنرال دي كاستريس قائد كتيبة ديان بيان فو الذي استسلم يوم 8 ماي 1954 مع الخامسة مساء، وتم اقتياده مكبل اليدين الى سجن هانوي، جنيرال معروف كان ضمن الذين كبلوا يديه حسب زوجته الفتنامية كاميليا، انتهاء بالجنيرال جياب، أستاذ حرب العصابات الذي كان يدير الحرب من غرفة عمليات صغيرة محفورة في جبل يبعد 25 كلم عن مسرح الأحداث. عندما زرت غرفت العمليات هاته وكذا متحف جياب الغير البعيد عن هذه الغرفة، تفهم العقل الفيتنامي الذي لا يدع شيئ للصدف. كانت في الواقع ثلاث غرف عمليات محيطة بالمكان، وتتوفر كل واحدة منها على شبكة التيليفون؛ واحدة مرتبطة بالقيادة العليا التي كان يديرها هوشي منه من شمال هانوي، والأخرى مرتبطة بالجبهة والثالثة على سبيل احتياط. الفيتناميون نشروا شبكة التيليفون على كل الجبهات كما فعل عبد الكريم خلال حرب الريف.
مورغان يصف في الفصل الخامس الإذلال والانفكاك الذي أصاب جنود اللفيف، وحجم القتلى والأسرى والجرحى الذي يقدر بأكثر من 15 ألف عسكري ويحمل المسؤولية للنخبة العسكرية الفرنسية التي قادت آلاف القوات، الغير منسجمة، إلى حرب خاسرة منذ البداية. هذه النقطة (تفكك اللفيف) يتناولها كتاب غبار الإمبراطورية بأكثر من تفصيل وخاصة المجندين المغاربيين، ودور عبد الكريم في هذا التفكيك.
مورغان رحل قبل سنتين، 2023، حاولت الاتصال به قبل سفري إلى فيتنام لكن حالته الصحية كانت جد سيئة حسب ابنته، لكن اقتفيت أثره في ديان بيان فو عند زيارتي بعض قدماء المحاربين.
مورغان خلص إلى القول أن السردية الفيتنامية نجحت بأن تفرض نفسها كسردية وحيدة ذات مصداقية. ووضع بذلك المزيد من الملح على الجرح الفرنسي.
غبار الإمبراطوريات:
في سنة 2002 ستصدر الباحثة والمؤرخة الفرنسية ‘نيلسيا ديلانوي’ كتابا تحت عنوان “غبار إمبراطورية”. العنوان يذكرني بأحد إصدارات الكاتب المغربي عبد القادر الشاوي وهو يراجع ‘تجربته’ في إصدار تحت عنوان” تجربة الحلم والغبار”. نفس الخلاصة انتهت إليها نيلسيا، حيث لم يتبقى إلا غبار من إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس من مونتريال حتى كاليدونيا الجديدة. الكاتبة درست الزلزال الذي أصاب اللفيف الفرنسي في فيتنام بدقة وذلك من خلال بحث ميداني زارت خلاله فيتنام عدة مرات وكما زارت المغرب لمرات عديدة من أجل إجراء حوارات مع قدماء محاربي فيتنام أو عائلاتهم العائدة سنة 1972 من فيتنام إلى المغرب. كما اشتغلت على الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي بفيتنام والأرشيف العسكري الفرنسي بباريس.
نيلسيا حاولت اقتفاء أثر هؤلاء الجنود المغاربة المنشقين وعائلاتهم ووثقت معهم لمعلومات غاية في الأهمية. جزء من هذا القصاصات أوردتها أعلاه حول عبد الكريم.
تقدم الكاتبة تفسيرا جديدا للزلزال الذي أصاب الفيلق الفرنسي بفيتنام، وتكتشف في هذا المسار أهم اللاعبين الذين طواهم النسيان إما عن قصد وإما عن قصور بعض المؤرخين. هؤلاء ركزوا دائما في قراءة كلاسيكية على طرف واحد وهي المقاومة الفيتنامية. طبعا، تبقى المقاومة الفيتنامية اللاعب الأساسي والحاسم، لكن لولا تكسير القوة العسكرية الفرنسية من الداخل، لكانت الحرب ستطول بدون شك. وهنا أهمية دور عبد الكريم حسب الكاتبة.
وتتساءل الكاتبة:” عندما هرب هؤلاء المجندون من قوة المشاة الفرنسية (حيث كان المقاتلون غير الفرنسيين يشكلون الأغلبية) وانضموا إلى معسكر فيت مينه. هل كان ذلك بدافع التضامن بين مواطني الشعوب المستعمرة؟ أم بدافع التعاطف الأيديولوجي؟ أم بدافع رفض خدمة قضية لم تكن قضيتهم؟ أم بدافع الخيانة؟. وتجيب قائلة، ربما كل هذا ما عدا الخيانة.
على أية خيانة تتحدثون وهؤلاء يعتبرون مرتزقة في نظر مشغليهم؟!.
الكاتبة تكشف كذلك الظروف والمواقف الإنسانية والصعوبات النفسية التي عاشها هؤلاء المجندون بعد انتهاء الحرب في أواسط الخمسينات. دامت ضيافتهم هناك ما يقارب عن عقدين من الزمن. المغرب رفض استقبالهم في البداية لأسباب سياسية وأمنية، أهمها أنهم كانوا محكومين بالإعدام غيابيا من طرف القضاء العسكري الفرنسي، ولم يصدر فيهم العفو من طرف البرلمان الفرنسي إلا في سنة 1967 حسب تصريح السفير الفرنسي بالصين سنة 1968. تزوجوا من نساء فيتناميات وأنجبوا أطفالًا. كما عاشوا هول القصف الأمريكي لشمال الفيتنام المحرر أثناء الحرب الأمريكية. وأثناء نقلهم من فيتنام، عبر الصين، باتجاه المغرب، في إطار عملية محفوفة بالمخاطر قادها الجنيرال العنيكري سنة 1972، لم يسمح لهم حمل أي شيئ معهم يرمز إلى المقاومة الفيتنامية أو رموزها من بينها منع أطفالهم من حمل ذكرياتهم معهم وكتبهم المدرسية. تم تفتيشهم بدقة واحدا واحدا قبل صعود الطائرة في الصين، لأنه لم تكن للمغرب علاقة دبلوماسية آنذاك مع فيتنام بالإضافة إلى ظروف الحرب الأمريكية جنوب فيتنام.
الكاتبة جمعت قصاصات عديدة حول هؤلاء الجنود وسأختم هذه النافذة بواحدة منها:” يصرخ أحد المجندين من خلال مكبرات الصوت حول القلعة، ” عبد الكريم دوما وأبدا” وعندما أذكر اسمه، يرد بعضهم أنهم يتجاهلون كل شيء تقريبًا عنه، بل أنهم لا يصدقون أنه كان مزال حيا حينها، ويذهلون عندما يعلمون أنه من تعاون مع هوشي منه، وولادة نظام استفادوا منه، والذي لعب فيه جنيرال معروف دورا مركزيًا..:”.
الكثير منهم لقوا حتفهم في ساحات المعارك وطواهم النسيان، آخرون عاشوا وماتوا في الفيتنام، هؤلاء كلهم خلفوا وراءهم أيتاما. وحتى من عاد على قيد الحياة تنكرت لهم فرنسا وذلك من خلال رفض تعويضهم.
الجنيرال معروف..نهاية رجل شجاع:
محمد بن عمر لحرش المعروف عند المجندين المغاربة بفيتنام ب”جنيرال معروف”، سيلتحق بالقاومة الفيتنامية بداية الخمسينيات القرن الماضي مرورا بفرنسا وبولونيا والاتحاد السوفياتي والصين ليدخل فيتنام من الشمال. معروف ابتلى بلاء حسنا بتأطير واحتضان المجندين قسرا في الفيلق الفرنسي بفيتنام، أغلبهم كانوا أطفالا وقليلو الخبرة بالقتال وبالأحرى مواجهة رجال حرب العصابات. انضمامهم إلى الثوار والقتال في صفوفهم استجابة لنداء عبد الكريم، كان كافيا ليتم رفض عودتهم بعد انتهاء حرب الهند الصينية سنة 1954. هوشي منه تواصل مع محمد الخامس سنة 1960 من أجل استرجاع ابناءه لكن رفض الرد عليه.
الحسن الثاني بدوره يشيد من جهة بمعركة ديان بيان فو في تحرير بلده، كما جاء في المقدمة، لكنه من جهة أخرى يرفض عودة من ساهم في صنعها من بينهم كبيرهم الجنيرال معروف.
بعد استحالة بقاءه في فيتنام بسبب الصراعات بين الستالينيين والماويين، طرد إلى بلغاريا حسب الباحثتين. من هناك انتقل الى المغرب سنة 1962 وفق ترتيبات خاصة بتدخل الحزب الشيوعي الفرنسي والمغربي، لكن وجوده بالمغرب ‘المستقل’ لم يكن مرحبا به في بيئة مليئة بالتجاذبات والمحاكمات، مما دفعه للخروج إلى الجزائر. هناك كذلك لم يكن مرحبا به من طرف المعارضين المغاربة أمثال البصري والجبلي وآخرين كما يبدو، وذلك بسبب تجربة معروف كعائد من جبهة فيتنام، وربما كذلك في اختلاف وجهات نظرهم في مواجهة النظام المغربي، لأن معروف كان ينظر إلى هؤلاء، حسب شهادة خاصة، بأنهم يفتقرون الى التجربة العسكرية والتنظيمة والسياسية حتى يحققوا أهدافهم. بعد عزله من طرفهم عاش منبوذا، وبعض الأحيان متسكعا في شوارع الجزائر حتى أصيب سنة 1972 بسرطان الحنجرة، مما دفع زوجته القاطنة آنذاك بفرنسا بتعاون مع الحسين الصغير لحمله إلى أحد مستشفيات باريس من أجل العلاج، لكن المرض لم يمهله كثيرا ليموت ويدفن في باريس بحضور زوجته كاميليا والحسين الصغير وثلاثة أشخاص آخرين. أما باقي أفراد جماعة المعارضين لم يحضر ولا أحد منهم ، بل لم يشر ولو واحد منهم في مذكراته إلى الرجل ودوره في فيتنام. أتمنى أن يكون قد تذكره عبد الكريم في مذكراته. لا أعتقد أن زوجته لاتزال على قيد الحياة، لكن ابنته وإبنه يعيشان ويشتغلان في فرنسا. سمعت أن له أخ بالمغرب على قيد الحياة، حاولت البحث عنه، لكن لم أصله بعد.
تحكي زوجته “كاميليا” الفتنامية الأصل : “جاءني محـمد ( معروف) “زوجها” بحمالة ربما كانت في ملكية دي كاستريس. وقد أهديتها لاحقاً للسينمائي السوفياتي رومان كارمن”، كما يذكر “علي يعتة” زعيم الحزب الشيوعي المغربي أيضا أنه “عند توزيع البقايا الثمينة للجنرال دي كاستريس، كان الجنرال معروف قد أخذ قلم رصاص أهداه لي عند عودته إلى المغرب، وما زلت أحتفظ به”، حسب ساعف.
شهادات قدماء المحاربين :
يقول المقاتل المتقاعد العم ‘فام’ الذي رحب بي في منزله في مدينة ديان بيان فو بفيتنام، صيف 2023، وهو يتذكر جيدا تفاصيل المعركة الأخيرة مع الوحش الفرنسي رغم تقدم سنه، 93 سنة. يقول أنهم امضوا ما يقارب شهر ونصف في حفر نفق يؤدي من إحدى الأودية إلى اسفل التل A1 الذي يتواجد عليه الجزء الأهم من المعسكر الفرنسي. قضى خلال الحفر 40 من رفاقه بسبب أشغال الحفر والاختناقات. عندما انتهوا من حفر هذا الممر تحت الأرض نقل هو إلى عمقه 950 كلغ من مواد شديدة الانفجار. سألته وكيف حملت هذه المواد؟ أجاب على ظهري ولوحدي وذلك لتفادي الخسائر لو انفجر. تكلف ثلاث من رفاقه بعملية التفجير والذين قضوا في العملية الانتحارية. كانت الساعة الثامنة مساء يوم 7 ماي 1954. فعلا، عاينت أسماء الشهداء الثلاث المكتوبة أسماءهم على لوح نحاسي أقيم بجانب موقع التفجير في أعلى التل A1. اشتعلت الأرض تحت أقدام المحتل وجنوده يركضون في كل اتجاه يضيف العم فام. انتهت العملية بالسلاح الأبيض ليلا. في يوم الغد مع الساعة الخامسة مساء تم القبض على قائدهم الجنيرال دي كاستريس مع سقوط آلاف القتلى والجرحى والأسرى.
يقول العم فام أن الجنيرال ‘دي كاستريس’ كان بليدا وليست له أخلاق محارب، حاول تسمية القمم الدائرة على التل بأسماء عشيقاته الفرنسيات وذلك حتى يهين شعب فيتنام، لكنه سقط أمام المقاتلين الأشداء الذين قاوموا بحفنات الأرز القليلة التي كانت توزعه النساء الفيتناميات العفيفات عليهم [بمساعدة المقاتلين الأجانب]، والتي كانت تقدر كميتها بعشرات آلاف الأطنان يوميا على كل جبهات القتال.
ابنة الأرز..شبيهة أنوال
ملحمة ديان بيان فو كانت شبيهة أنوال، بل أختها في ‘الرضاعة’، كيف لا و ‘هو شي منه’ طلب بركة مولاي موحند منذ البداية، هذا فضلا عن انصهار دماء المقاتلين المغاربة [وغير المغاربة] والفتناميين في جبهات القتال.
ملحمة ديان بيان فو تشبه أنوال في تفاصيل عديدة أهمها استعمال نفس التكتيك تقريبا في وضع العدو بين فكي الكماشة: في كلاهما لم يستعجلوا الهجوم لا في أنوال ولا في ديان بيان فو مع التحضير الجيد. ففي شهادة خاصة لأحد قدماء المحاربين الفيتناميين قال لي :” نحن كمقاتلين شباب متحمسين كنا سنستعجل الهجوم في شهر فبراير 1954، لولا تدخل العم جياب طالبا منا محاصرة التل بشكل جيد وتوفير شروط أكثر مع حفر الخنادق وتشكيل مجموعات انتحارية، لأن العدو شرس ومسلح بشكل جيد..فتم تأجيل الهجوم بثلاثة أشهر تقريبا..:”. بدورهم في أنوال عملوا عل تطويق معسكر أنوال بشكل جيد من كل الجهات مع حفر الخنادق وقطع الامدادات، وتوفير تشكيلات قوية من أجل اقتحام المعسكر عند إعلان ساعة الصفر. كما تتشابهان في سقوط القتلى والأسرى بالآلاف في كلتا المعركتين (15-16 ألف)،مع تطبيق حرب خاطفة في كلتاهما.
الفرق ربما الوحيد بين الملحمتين هو: أن قائد معسكر ديان بيان فو، الجنيرال دي كاستريس، تم أسره حيا بعدما تجبر وحاول إهانة الفيتناميين من خلال تسمية التلال الأربعة المحيطة بالمعسكر بأسماء عشيقاته الأربعة. بينما لم يتم العثور على قائد معسكر أنوال سيلفيستري، بعدما كان أوصى رجاله بدوره بجلب الريفيات بأقل من خمسة بسيطة للواحدة. الفرق الثاني هو أن ملحمة أنوال وقعت مع ساعات الفجر الأولى، بينما الأخرى بفيتنام حدثت مع غروب الشمس. فكانت بحق وفق ما كان يردده عبد الكريم : “قاتلوا الاستعمار مع الفجر وادفنوه مع الغروب”. تماشيا حتى مع مراسم الدفن حسب الطقوس الإسلامية طبعا. وهنا تحقق حلمه الذي كان يردده خلال حرب الريف، داعيا بذلك كل أحرار العالم إلى القتال ودفن هذا العدو عملا بمبدءه:” انتصار الاستعمار في أقصى الأرض فهي هزيمة لنا، وهزيمته انتصار للحرية في كل مكان”.
على سبيل الخاتمة:
هذه المعطيات ليست نهائية طبعا بل ستضعنا أمام مهمة المزيد من تعميق البحث خدمة للحقيقة التاريخية، على اعتبار أن الأرشيف الفرنسي سواء الدبلوماسي أو العسكري منه بقي بعيدا عن متناولنا، وانا على يقين أن الإستخبارات والمؤسسات الامنية الفرنسية تابعت ووثقت بالتفصيل كل صغيرة وكبيرة حول هذا الموضوع مع جمعها كل الدلائل والمراسلات والوقائع..
*أمستردام، 21 يوليوز 2025































