عبد اللطيف مجدوب
التاريخ يتبرأ!
صور غير مسبوقة لجحافل الجياع ؛ تتكدس بهم ردهات وخرائب قطاع غزة ؛ يتساقطون الواحد تلو الآخر جوعا أو رميا برصاص القوات العسكرية الإسرائيلية ، أو يلقون حتفهم ؛ في كثير من الأحيان ؛ تحت قصف مدفعي أو صواعق قنابل ؛ لم يعد الفلسطيني يميز الطائرات المحملة بها وبين أسراب الطيور التي كانت بالأمس القريب تمرح في سماء غزة والضفة.
صور حطمت أرقاما قياسية في البشاعة والفظاعة والقسوة والعدوانية ، صور تتناقلها خجلا كل محطات البث التلفزيوني في العالم ، يشيب لها الولدان ، وتكشف عن مادة سعار ؛ ذهبت بعقول وقلوب معظم الساسة في إسرائيل ، غير مكترثين ولا آبهين بدوي حناجر الشعوب ؛ في مختلف بقاع الأرض ؛ منددة تارة ، ومناشدة “الضمير العالمي” بفك الحصار على أهل غزة ، تارة أخرى.
في الواجهة الأخرى ، يقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو بالأحرى”امبراطور الرسوم الجمركية” موقفا منساقا ؛ بالكلية ؛ مع السردية الإسرائيلية ، لا يتراءى له ؛ وسط أهوال غزة ؛ سوى مشروع عقارات ، معظم استنكاراته ؛ في الظرفية الحالية ؛ الشجب والتنديد بكل من في قلبه ولو ذرة واحدة من “معاداة السامية” ؛ أقدم على توقيف ميزانيات مالية ضخمة ؛ كانت فيما مضى ؛ تمرر إلى الجامعات والمعاهد الأمريكية ، لا لشيء سوى احتجاجات طلابها وبعض أساتذتها ضد ما يجري من عمليات تطهير عرقي وإبادة جماعية في غزة .
العم سام يتباهى بنجمة داود
وكمثال على ارتداء العم سام لنجمة داود ، فقد سئل الرئيس مؤخرا ؛ في بعض تصريحاته الصحفية الطائرة أو العابرة ؛ صرح هذا الأخير ، كجواب عن سؤال أحد الصحفيين:
- ” هل تنوي أمريكا وقف شلالات الدم والحد من تساقط البشر جوعا وعطشا في غزة ؟”
- ” حماس لا تريد أي تسوية… وستخسر كل أوراقها إذا أفرجت عن الرهائن ، لذا وجب القضاء عليها…” ، وفي لمحة
بصر ، تلقف هذا التصريح حزب الليكود الحاكم ، وبعض أجنحته المتطرفة بالتهليل والإشادة ، فعمدوا إلى بنادقهم وأشبعوا القطاع والضفة بمزيد من النيران والمجازر ، بصور تشيب لها الولدان ، بل امتدت بهم طموحاتهم التوسعية النازية إلى ضم مزيد من الأراضي ، في كل من لبنان وسوريا ، فضلاً عن دول أخرى على القائمة ، كتركيا وإيران ، وفي المدى البعيد باكستان.
إسرائيل وإسرائيل الكبرى
من حيث الجغرافية الرسمية ، تعتبر إسرائيل دولة صغيرة المساحة ، لكن بإمكانيات وموارد ضخمة ، بوأتها مكانة عالية بين صفوف الدول العظمى ، فقد كانت تعاني ؛ وعلى مدى عقود ؛ من نقص حاد في فضائها الاستراتيجي الذي يمكنها من توسيع رقعتها الصناعية والاقتصادية ، لكن ما إن انفجر حادث السابع من اكتوبر ، وما تلاه من حملات “طوفان الأقصى” لفصائل المقاومة الفلسطينية ، وتغلغل القوات الإسرائيلة في قطاع غزة ، وصولا إلى أطراف “الإسناد العسكري” ، سواء في لبنان/حزب الله أو اليمن/الحوثي.. حتى تقرر ؛ في دهاليز الخفاء ؛ تمديد رقعة القصف العسكري الإسرأمريكي ، لتشمل مواقع جغرافية استراتيجية في كل من لبنان وسوريا والعراق ، ولاحقا إيران ، هذا فضلاً عن بسط سيطرتها على مواقع “أمنية” تكاد تشمل المياه الدولية ؛ تراقب تحركات الملاحة ، وأحيانا تصادر كل سفينة تشتبه في حمولتها وو جهتها بعنجهية وتحد سافرين.وكلما لاحظت تلويحا بالتنديد بسياستها ، سواء من هذا الطرف أو ذاك ، أدرجته داخل خندق “معاداة السامية” ووجهت له تهديدا بعبارات تكشف عن أنها فوق كل القوانين والأعراف الدولية ، كأن تصرح “بأن يدها طويلة” ، تدرك روح عدوها ، حتى ولو كان في أقاصي الأرض.
إسرائيل ، ومن خلفها اللوبي الصهيوني صاحب الشركات والمؤسسات المالية العملاقة العابرة للقارات ، تدرك بعمق أنه قد آن الأوان لتسلم الزمام من أمريكا (مباشرة) في قيادة السياسة الدولية أو بالأحرى العالم ، وحتى تكون قدأبرّتبما جاء في بعض المقاطع الكتابية للتلمود “أرض إسرائيل الكبرى” ؛ وهو المعنى الحرفي في اللغة العبرية ، حينما تصف “الأرض الموعودة لإبراهيم ونسله” ، وغالبا ما تفسر على أنها تمتد من النهر إلى النهر “النيل والفرات” ، هذا التفسير ، وبناء على هذا الوعد، نلاحظ أن إسرائيل ماضية في تحقيق هذا الحلم ، والذي يشمل إسرائيل الحديثة والأراضي الفلسطينية وأجزاء من لبنان وسوريا والأردن، وربما أجزاء أخرى من مصر والعراق .































