الغبزوري السكناوي
في مدن العالم، المجالس المنتخبة أشبه بغرف قيادة تضع الخرائط وترسم المسارات وتفتح للناس أبوابًا نحو الغد. أما هنا، حيث يُفترض أن تُصاغ الأحلام الجماعية، تحولت المجالس إلى دكاكين صغيرة لتوزيع الفوضى: رخص عابرة لاحتلال الأرصفة، أكشاك مبعثرة، وعربات يجرها البؤس. لم يعد التفكير منصبًا على المدينة ولا مستقبلها، بل على كيفية إبقاء المواطن أسير تفاصيل وضيعة، كأن أقصى طموحه عربة بغل، بينما الطرق المعبدة نحو المشاريع الكبرى لا تُفتح إلا أمام الأبناء والأقارب.
بينما ينشغل المنتخبون والبرلمانيون في العالم بوضع السياسات ومساءلة الحكومات، يكتفي بعض منتخبينا بإغراق المدينة في البؤس. لم نسمع يومًا أحدهم يفتح ملف آلاف مناصب الشغل التي وُعدنا بها، لا عند الحديث عن منطقة الأنشطة الاقتصادية بٱيت قمرة ولا عند الترويج للمشاريع السياحية. الصمت صار عدّتهم، وكأن لسانهم لا يتحرك إلا لتبرير الفوضى وتغطية خواء السياسة بثرثرة جوفاء، يثبتون كل يوم أن الجهل قادر على أن يتربع على الكراسي حتى لو كان مغلفًا بشهادات أكاديمية.
منتخبو مدينتي يبدون وكأنهم “وكلاء حصريون” لتوزيع المسكنات: كشك هنا، عربة هناك. رخص تُرمى كما يُرمى الفتات للطيور، فيما الملفات الكبرى ــ الاستثمار والتشغيل والمشاريع الموعودة ــ غائبة عن جدول أعمالهم. دورهم محصور في جرعات إلهاء يومية، بينما الأبناء يحصدون الرخص الاستثنائية والمناصب السهلة والاستثمارات الضخمة، بعيدًا عن شوارع المدينة المزدحمة، لأنهم ببساطة لا يعيشون بيننا ولا يتنفسون هذا الهواء الملوث بالفوضى.
السياسة المحلية في عهدهم صارت عنوانًا لـ”ترييف” المدن. صار منح رخصة عربة إنجازًا، وملء الساحات بالفوضى سياسة معتمدة لطرد أي فكرة تولد. كل سؤال عن التشغيل أو المشاريع الكبرى يُقابل بالصمت، لأن السؤال أخطر من الجواب. هكذا تحولت الفوضى إلى ستار يحجب الحقيقة عن العيون ويزرع وهْم الإنجاز بين الأرصفة والطوابير، بينما يواصل المنتخبون توزيع التفاصيل الصغيرة وكأن المدينة مجرد مسرح لإيهام الناس بالعمل.
المدينة اليوم أشبه بمسرح فوضوي بلا سيناريو. شوارع محتلة، شواطئ منهكة، وساحات بلا معنى. أما المنتخبون، فبعضهم ــ بل أغلبهم ــ لا يعيش بيننا، ولا أبناؤهم يتنفسون هواء هذه المدينة؛ لهم الفيلات في مدن أخرى ومشاريع في العواصم، بينما يتركون لنا أحلامًا رخيصة ملفوفة في رخص بئيسة، وكرامة مرمية على قارعة الطريق. والمستفيدون الحقيقيون من هذا العبث ليسوا سوى صانعيه: هؤلاء المنتخبون أنفسهم، الذين استثمروا الفوضى وحوّلوها إلى غنيمة، تاركين المواطن مجرد متفرج حائر يصفق على خشبة العبث.
بعض المنتخبين عندنا يبدون كما لو كانوا ممثلين أوفياء للمسرح العبثي. يكفي أن تراهم يملؤون الفضاءات بالضجيج ويحوّلون الوهم إلى إنجاز حتى تدرك أنك أمام عرض حي من مسرح اللاجدوى. ولو اطّلع “يوجين يونسكو” على تجربتهم في التدبير الجماعي، لاستعان بهم شخصيات جاهزة في مسرحيته “الكراسي”، حيث يتحدث الناس عن الرسالة والأهمية فيما لا شيء سوى الفراغ. تلك الكراسي الفارغة لم تكن سوى رمز للانتظار العبثي والتواصل المفقود؛ تمامًا كما في مدينتي، حيث تُملأ الساحات بالضجيج بدل المعنى
الساحات في التاريخ كانت فضاءات للحوار والتفكير، من “أغورا” اليونان إلى ساحات مدن أوروبا في العصور الوسطى وصولًا إلى رحبات العرب، هناك وُلدت الأفكار العظيمة وتشكّلت مسارات الأمم. أما هنا، فلم تعد ساحاتنا تُنجب سوى صخب العربات والأكشاك. تُتخذ القرارات كما يُرتجل الكلام عند سهر متأخر أو صحو عابر عند الفجر. تحوّل الفضاء العام إلى سوق صراخ يطغى على أي معنى، وصار الحديث عن الاستثمار حلمًا مؤجَّلًا، يتأرجح بين أكشاك مبعثرة وعربات قد تعود الحمير لجرّها، تمامًا كما كان المشهد قبل هذه الألفية، وكأن الزمن اختار لمدينتنا أن تسير بخطى واثقة نحو الوراء.































