الغبزوري السكناوي
في مدينتي، لا يجرؤ أحد على رفع صوته ليسأل عن الجذور التاريخية لتشكل “الرأسمال المحلي”، ولا عن الأصول الاجتماعية والاقتصادية لأثرياء المنطقة. يبدو أن السؤال نفسه مغامرة غير محسوبة قد تجرّ أصحابها إلى صمت طويل، شأنه في ذلك شأن النميمة وكل الأسرار التي يُفضل ألا تُروى. نرى البنايات ترتفع، والعقارات تُقلب كما تُقلب أوراق “الكارطة”، ونسمع عن ثروات تتكدس في عز الليل، بعيدة عن أعين من ينشد الحقيقة، لكن أصل الحكاية يظل خلف ستار لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه.
الرأسمال في مدينتي يشبه بيتًا من زجاج، يلمع من بعيد لكنه هشّ في العمق. بعضهم أسّس مجده على ريع سهل، وآخرون حوّلوا الاقتصاد المستتر إلى تذاكر دخول لنادي “الأعيان الجدد”. وهناك من ورث أملاك المعمّرين الإسبان، وكأنها ميراث طبيعي لا يحتاج إلى تفسير. وما بين السعي الذاتي والوراثة، ضاقت أرجاء المدينة بالزبونية والمحسوبية، فأغلقت الأبواب أمام الاستحقاق، وتركت الصمت يعمّ الأرجاء، كأنّه جزء من اللعبة أو ثمن لبقائها قائمة.
لا أدري لماذا يخجل البعض من كشف أصوله الاقتصادية! هل لأنه لا يحمل “شهادة ميلاد اقتصادية” تثبت أصله؟ ولماذا تتحول قصص بعض العائلات إلى روايات “مبسترة” تُروى بنصف صوت، كأنها لا تحتمل أن تُحكى كاملة؟ أين النماذج الملهمة التي تُبنى بالعرق وروح المبادرة، ولماذا تُفسح المساحة أمام صور مشوهة يرسخها البعض لتقنعنا أن النجاح لا يولد إلا من الريع والالتواء؟ هل صارت أحلام الريادة مجرّد عبث في منطق هذا العالم المقلوب، أم أننا بتنا نبرّر العجز بصناعة أوهام عن بطولات مزيفة؟
قد يقول قائل إن “أثرياء الصفقات الصامتة” تركوا بصمات ظاهرة لا يمكن إنكارها على المنطقة: أنعشوا اقتصادًا أنهكه التهميش الرسمي، ووفّروا فرص عمل في فضاء جبلي محاصر ومحدود الموارد. قد يكون ذلك صحيحًا من زاوية معينة، لكنه ليس الوجه الوحيد. فثمة وجه آخر ظل مسكوتًا عنه، هو التدمير البطيء لإرادة أجيال كاملة، حيث تُستنزف الطاقات بصمت، وتُقايض الآمال بجدار خفي لا يُرى إلا من الداخل، فيما تُرسَّخ صورة زائفة للنجاح على طرق مختصرة ومضللة.
ذلك هو الوجه الحقيقي، الذي لا يقل وضوحًا في أعين الجميع، رغم صمت الأغلبية وتماهيهم مع الصورة المضللة. إنه دمار صامت طال القيم والذهنيات قبل أي شيء آخر. وقد ترسخت صورة خادعة تقول إن النجاح في عالم الأعمال لا يأتي إلا عبر المسارات الملتوية. صورة كهذه أضعفت التحفيز، وأفرغت الطموح من معناه، وحوّلت الأفق أمام الشباب إلى جدار إسمنتي مغلق: إما أن تدخل اللعبة نفسها، أو تبقى على الهامش، محاصرًا بخذلان صامت وقيود خفية.
ربما لم ينتبه البعض إلى أن جزءًا من الديناميات الاحتجاجية في مدينتي كان صدى طبيعيًا لصورة هذا الاقتصاد المضلل، على السطح يبدو القطاع نشيطًا وحيويًا، لكنه هشّ، بلا عمق اجتماعي يذكر، فتتبدد الفرص الحقيقية أمام من يريد الوصول إلى جوهر الأمور، ويظل الشباب محاصرًا في عروض التحركات الشكلية. وفي الحقيقة، الفضاء الموعود بالاستثمار يظل ستارًا يحجب الفرص ويقيّد الطموح، بينما الهيمنة الحقيقية تبقى لبورجوازية طارئة على المشهد، تُراكم نفوذها عبر صفقات رمادية خفية
وتحت وطأة هذا التماهي مع الصورة المشوهة، تتوارى القيم أمام الأنماط المضللة، ويبرز السؤال: أليس من حق المواطن في مدينتي أن يعرف حقيقة هؤلاء الذين يدّعون أنهم فاعلون اقتصاديون يسعون لخدمة المنطقة؟ أن يتتبع مسار تشكّل ثرواتهم ومجالات اشتغالهم، بدل أن تظل هذه الفئة خلف الستار تكرّس التآكل الخفي وتستفيد من الريع والمسارات الخفية، بينما يبقى الادّعاء بخدمة المنطقة مجرد واجهة زائفة. وقبل ذلك كله، هل هذه الوصمة حقيقية أم مجرد ستار؟ وهل الصمت الجماعي دليل تواطؤ، أم علامة لا مبالاة؟ في النهاية، من يجرؤ أن يكسر الزجاج دون أن ينجرح؟































