الغبزوري السكناوي
الكثير ممن يزور مدينتي، وحتى من يقيم فيها، يلاحظ كيف أصبحت بلا هوية حضرية واضحة. لا شيء يميز فضاءها العام، ولا أثر لمعالمها الخاصة، وكأنها فقدت بطاقة تعريفها البصرية. تزداد التشوهات العمرانية عامًا بعد آخر، فيما تغيب الرؤية عن تهيئة الفضاءات العمومية، وتُستبدل روح الانتماء بعناصر دخيلة وهجينة تُكدَّس في الشوارع والساحات دون مراعاة لذاكرة المكان ولا لعمقه الحضاري.
الهوية الحضرية ليست ترفًا في هندسة المدن، بل هي روحها التي تمنحها ملامحها الخاصة. هي التي تجعل من الميادين أكثر من مجرد ساحات إسمنتية، ومن القناطر أكثر من مجرد معابر باهتة. الهوية الحضرية بطاقة تعريف غير مكتوبة، يقرأها الزائر في تفاصيل المعمار، ويشعر بها المقيم في تناغم الفضاءات. مدن كثيرة فهمت هذه المعادلة، فصارت معالمها العمرانية جزءًا من ذاكرتها الجماعية، وجزءًا من صورتها في عيون العالم.
ولأن الهوية الحضرية بهذا القدر من الأهمية، فهي تُصان وتُعزَّز في مدن العالم بعناية دقيقة. هناك حيث يعمل المسؤولون على حماية الذاكرة البصرية كما يُحمى الأثر التاريخي، وحيث يحرص المجتمع المدني على أن تكون الساحات العامة امتدادًا لروح المكان لا قطعًا غريبة عنه. في كل مكان، تُعتبر تهيئة الفضاءات العمومية أداة لتعزيز الانتماء، وعنصر جذب سياحي وثقافي وتنموي. كل مكان… إلا هنا.
في مدينتي، تُترك الهوية الحضرية نهبًا للتشويه. مشاريع التهيئة تتحول إلى عمليات استنساخ عشوائية لمعالم مدن أخرى، حتى بدا المشهد وكأنه رقعة منقولة من تطوان أو غيرها. سياج قنطرة “كلابونيطا”، شريط الزليج بمحاذاة مقر الدرك الملكي، زليج ساحة إفريقيا، والمزهريات التي لا يعرف أحد وظيفتها سوى إثبات الحضور… كلها تفاصيل تُنبتها يد بلا وعي، تُشوه ولا تُبدع، تُكدِّس ولا تُجمل.
الأدهى من ذلك أن المسؤولين يصرون على تسويق هذه الرداءة باعتبارها إنجازًا. يكفي أن نقرأ التوضيح الصادر عن الجماعة بخصوص أشغال ساحة إفريقيا، حين قيل إنها ستُزَيَّن بالزليج المحلي! أي زليج محلي هذا؟ ومنذ متى كانت للحسيمة والريف مدرسة خاصة في صناعة الزليج؟ إن كان المقصود الزليج المغربي، فمتى كان هناك زليج غير مغربي أصلاً؟ إنها لغة تُخفي عجزًا أكثر مما تُظهر إنجازًا.
يبدو لي أن المصالح التقنية للجماعة والعمالة بمدينتي تجهل تمام الجهل أن هناك وثائق مرجعية تهم مخططات التأهيل والتهيئة الحضرية، والتي شددت على ضرورة الحفاظ على هوية كل مركز حضري، مثل “برنامج الحسيمة الكبرى”. هكذا صارت مكاتب الدراسات ومتابعة الأشغال والمقاولات تملي على المسؤولين، وكما تشاء، تهيئة بلا ملامح، وفضاءات بلا وجه، وهوية مشوهة.
أما المجتمع المدني، الذي يُفترض أن يكون ذاكرة المدينة الحية، فقد بدا مثقلًا بانشغالات أخرى غير الهوية. في لحظات كثيرة، يُخيل للمرء أن بعض الفاعلين جزء من عملية التشويش نفسها: صمتهم يشرعن، ومباركتهم تضفي شرعية على العبث. حتى صار نصبُ مجسم في الساحة الكبرى للمدينة يُقدَّم باعتباره “الهوية البصرية” الجديدة، وكأن الهوية تُختزل في قطعة حديدية أو تمثال يلتقط معه المارة صورًا عابرة.
لقد هزلت حقًا. فالهوية الحضرية لا تُشترى، ولا تُختزل في زليج ملون أو مجسم في وسط ساحة. فالهوية تُبنى من عمق المكان، من أصالته، ومن معالمه التي تُشبه ناسه ولا تتنكر لهم. وما يحدث اليوم ليس سوى سرقة متواصلة لذاكرة المدينة، وطمس بطيء لبطاقتها التعريفية. مدينتي تستحق أن تستعيد ملامحها الحقيقية، لا أن تظل أسيرة ذوق رديء وتدبير بلا بوصلة.































