الغبزوري السكناوي
ما أن اقتربت رائحة الانتخابات حتى بدأت جحافل المحترفين تزحف من مخابئها، كأنها جيوش موسمية لا تتحرك إلا بصفارة الصندوق. وجوه غابت أربع سنوات كاملة، لم يظهر لها صوت ولا موقف، عادت فجأة ببدلات لامعة وابتسامات مستعارة. مشهد أشبه بفرقة مسرحية رديئة لا تُعرض إلا في موسم انتخابي باهت، حيث تُختزل المدينة إلى ديكور عابر ينهار بانتهاء العرض. وكأنهم يظنون أن أعين الناس تُغمَض أربع سنوات، ثم تُفتح عند أول ملصق انتخابي.
هؤلاء الذين فشلوا في انتخابات 2021 وخرجوا بخيبة مدوية، لم يتركوا وراءهم سوى الصمت. لم يتفاعلوا مع قضايا الناس، ولم يكتبوا رأيًا، ولم يظهروا إلا في الصور الرسمية للحملات الانتخابية. كل شيء ينسى إلا وعودهم الفارغة، وهم اليوم يحلمون بالعودة إلى الكرسي وكأن غيابهم أصبح “إنجازًا” يمنحهم الحق في العودة وتجديد الثقة. أو ربما لم يصل إليهم صدى تميم البرغوثي وهو يصرخ في وجه من هم على شاكلتهم: “أما بكم خجل؟”.
السياسة عند هؤلاء مجرد لعبة موسمية، تُفتح صناديقها عند كل استحقاق وتُغلق بعدها بالأقفال. ينسون أن المدينة تحتاج من يمثلها حتى في غياب المقاعد، ويفشلون في إدراك أن الناس تحتاج لمن يعيش همومها اليومية، وليس لمن يتوهم “العودة المظفرة”. الجميع يعرف تمامًا من كان حاضرًا في الميدان، ومن لم يظهر إلا في الحملات الانتخابية، لتنكشف أقنعتهم وتبدو وجوههم خاوية من أي أثر للحياء.
الأغرب أن هؤلاء لا يعودون وحدهم، بل ترافقهم جوقة من “المُلمِّعين”، كعلبة “كيواي” تتنقل من حذاء إلى آخر، يحاولون رسم صورة بطل خارق من ورق. يجلسون في مقاهي الهامش، يكتبون عناوين مثيرة “فلان سيعود بقوة في الانتخابات المقبلة”. قوة بماذا؟ بالتجاعيد السياسية نفسها؟ أم بخزان الوعود الفارغ الذي استهلكه الزمن؟ بريقهم يزول مع أول احتكاك بالحقيقة
الذاكرة يقظة، تحفظ كل وعودهم الكاذبة وتختزن كل لحظة غياب. المدينة تعرف تمامًا من كان حاضرًا ومن لا يظهر إلا في الحملات. الزمن يكشف الوجوه، وتنكشف الهالات المزيفة، ليظهر زيفهم أمام الواقع. لا تُسعفهم الشعارات ولا الملمّعون، وتظهر هشاشتهم أمام كل من عرف وجه المدينة الحقيقي، بينما تستمر الحياة في مراقبتهم بصمت وسخرية.
لقد فقد هؤلاء ماء الوجه منذ زمن بعيد، لكنهم لا يعرفون. يمشون بين الناس بوجوه شاحبة يظنونها لامعة، وكأن الجفاء مجرد تفصيل بسيط. المدينة لم تعد تنتظرهم، بل تراقبهم بعيون ساخرة وتذكّر بحكمة العرب: “إذا قل ماء الوجه قل حياؤه، ولا خير في وجه لا حياء فيه”. فكيف تعود وجوههم لتقود المدينة وهي جافة من الحياء والكرامة، كبريق ذابل لم يعرف لامعانه إلا وهم الطلاء؟































