الغبزوري السكناوي
يبدو أن البروفيسور نجيب الوزاني لم ينجح في الانتقال من غرفة التشخيص الطبي إلى قاعة التدبير الجماعي. الطبيب الذي اعتاد الإنصات لنبض المرضى نسي أن للجماعة أيضا قلبا يحتاج إلى من يتابع دورته الحيوية. دخل جماعة الحسيمة كما يدخل طبيب إلى عيادة مغلقة، لكن بلا سماعة ولا حتى “معيار زاوي”. ومنذ توليه المسؤولية، ازدادت مفاصل الجماعة تصلبا، فلا علاج دوائي ولا تدخل جراحي، ولا حتى محاولة إنعاش. غابت الرؤية، وضاعت منهجية العلاج، ولم يبقَ سوى رتابة تنسخ يومها من الأمس، ورئيس يراقب من بعيد كأن الزمن لا يعنيه. في عهده صار الروتين تنفسا اصطناعيا يحافظ على حياة وهمية لمجلس يئن بصمت، دون أي بادرة إنعاش حقيقية.
اليوم، المشهد الإداري داخل جماعة الحسيمة أصبح سرياليا حقًا. موظفون يواصلون أداء مهامهم رغم بلوغهم سن التقاعد، ويتقاضون أجورهم من ميزانية الإنعاش الوطني! كأننا أمام حياة مؤجلة لا أحد يجرؤ على إعلان وفاتها. أما المناصب والمهام الشاغرة، فهي تنتظر رئيسا منشغلًا بعالم موازٍ أو فاقدا الرغبة في فتح باب التباري. تحولت الإدارة إلى حديقة للهياكل الجافة، حيث الجمود المطلق، والعجز الإداري أصبح نمطَ تدبيرٍ يومي. لا أحد يحرك ساكنا، والجمود صار رمزية لكل يوم عمل جديد، بينما الكفاءات الشابة تذوب بصمت خلف مكاتب باردة مسمومة بالهمس.
رغم وجود كفاءات واعدة داخل الهيكل الإداري للجماعة، فإنها تترك خارج المعادلة، كأن المبدأ هو أن تموت إدارة المجلس ببطء وبهدوء يليق بعيادة مهجورة، أو على الأقل “كلما شاخت الإدارة، السيد الرئيس ضمن الاستقرار”. وكأن تجديد النخب الإدارية يعد مغامرة مميتة، أو أن ضخ دماء جديدة في جسد الجماعة سيربك دورة النوم الهادئة لأغلبية المجلس. يا للعجب! أليست هذه الجماعة بحاجة إلى حركة وحيوية؟ ألا تستحق وجوها جديدة تعيد إلى المدينة معنى العمل الإداري، بدل أن تتحول كل مهمة إلى خدمة مؤجلة تحت الجمود المستبد؟
من حق البروفيسور نجيب الوزاني أن يكون منشغلًا بعيادته، لكن ليس من حقه أن يحول المجلس الجماعي إلى غرفة انتظار بلا مواعيد. يبدو أنه فهم السياسة كملف طبي، وأدار الجماعة كأنها عيادة مغلقة أيام العطلة. لا ملفات تتحرك، لا مسؤوليات توزع، لا مبادرات تُطلَق… بل مجرد إدارة تمشي على عكاز، وموظفون ينتظرون دورهم في التسريح الإداري، بينما المدينة تئن تحت ركام الأسئلة: من يدبر؟ ومن يحاسب؟ ومن ينعش روح الجماعة بعد هذا الركود الذي دام سنوات؟
الفشل هنا ليس قدرا، بل اختيار حاد الملامح: رئيس لا يرى موظفيه إلا ككراسي، لا يقدر المردودية، ولا يعرف معنى التقييم أو التداول على المهام. رئيس بلا مشروع، يدير المجلس كما يدار مقهى بلا زبائن، حيث كل شيء موجود فقط للعرض، لا للعمل. بعض الموظفين مجرد عابرين في مسرح صامت، والملفات تتراكم بلا حراك. أي تحفيز؟ أي إشراف؟ لا شيء. الجمود صار سياسة، واللامبالاة صارت هدفًا، أما الكفاءات فمهددة بالاندثار الإداري قبل أن تحلم بالارتقاء داخل الهيكل.
الحل الساخر؟ الحسيمة لا تحتاج إلى مزيد من الأطباء في السياسة، بل إلى من يوقظ إدارة نائمة. موظفون بحاجة إلى معنى، كفاءات بحاجة إلى أمل، ومجلس بحاجة إلى قلب نابض، لا إلى صمتٍ متعمّد. الجماعة ليست عيادة مغلقة، بل مؤسسة تتطلب قياس حرارة يوميا، ومراقبة دقيقة، وتحريك الدماء في شرايينها البالية. أما الرئيس، فربما يحتاج إلى سماعة تشخيص جديدة، لكننا نعلم أنه لا يسمع سوى روتين صمته، ويترك الجمود يتكاثر، بينما كل شيء يتحول إلى سخرية دائمة من نفسه ومن إدارة أُصيبت بالشلل.































