محمد العطلاتي
يُعتبر قطاع الصيد البحري من أهم قطاعات الإنتاج في المغرب، إذ ارتبط على مدى التاريخ الحديث للمغرب بموارد العيش لاسيما بالنسبة لسكان المناطق الساحلية. ومع التطور الذي شهده القطاع، كما ونوعا، اتضحت الحاجة إلى إصدار قوانين تنظم العلاقات المهنية بين مجهزي سفن الصيد من جانب، والبحارة العاملين على متنها من جانب آخر، ومع تزايد عدد السفن وتوسع نشاطها البحري، صدرت أولى التشريعات المؤطرة لتشغيل بحارة الصيد.
وفق المعطيات المتاحة، فإن قطاع الصيد البحري يوفر أكثر من ربع مليون منصب شغل مباشر، منها ما يربو على المائة ألف منصب شغل على متن سفن الصيد الصناعي (350 سفينة) و على ظهر مراكب الصيد الساحلي (1840 مركبا) و قوارب الصيد التقليدي التي يربو عددها على 16.000قارب. بينما تشير المعطيات المتوفرة إلى أن عدد البحارة العاملين على متن أسطول الصيد الساحلي في المغرب يقدَّر بحوالي 65 ألف بحّار، ما يستدعى، في نظر الحكومة، مراجعة التشريعات ذات الصلة بتشغيل البحارة التي صدر أولها منذ أزيد من قرن من الزمن. إذ يُعد الظهير المؤرخ بـــ 31 مارس 1919 المتعلق بالملاحة البحرية، من أقدم النصوص التي تطرقت بصورة عامة لتنظيم عمل البحارة في المملكة.
و وضع قواعد عامة للملاحة البحرية وتنظيم السفن المغربية والأجنبية العاملة في المياه المغربية.
لكن أول تنظيم حقيقي لعلاقات الشغل الخاصة بالبحارة لم يظهر للوجود إلابعد استقلال المغرب، وذلك من خلال الظهير المؤرخ في 24 ماي 1958 المتعلق بنظام العمل البحري، الذي يُعتبر من الناحية الواقعية أقدم نص خاص ينظم تشغيل بحارة الصيد بالمغرب. وهو نص جاء بخلفية تسعى لتوحيد قواعد عقود الشغل في قطاع الملاحة البحرية، بما في ذلك سفن الصيد البحري، إذ وضع، لأول مرة أحكاما تتعلق بعقد عمل البحار وشروطه الأساسية.
و جاءت مضامين ظهير 1958بمقتضيات شبيهة إلى حد كبير بالمقتضيات التي تحكم عقود الشغل غير البحرية، لكن مع مراعاة الطابع الخصوصي لعمل البحارة، كالكتابة الإلزامية لعقد الشغل و تنظيم ساعات العمل بحسب الرحلة، فضلا عن تحديد الأجر و طريقة أدائه وفق نظام الحصة من منتوج الصيد، وغير ذلك من المسائل.
وابتداء من سنة 1973 عرف القطاع صدور عدد من القوانين لعل أهمها القانون رقم 1.73.255 المتعلق بتنظيم الصيد البحري، الذي حدد شروط ممارسة الصيد وتنظيم الأسطول البحري. والقانون رقم 2.15 المتعلق بالملاحة البحرية الصادر سنة 2016، الذي نسخ مقتضيات عديدة من ظهير1919 المتعلق بالملاحة التجارية البحرية، و بالطبع، مدونة الشغل لسنة 2003 التي نصت على تطبيق قواعد خاصة بالبحارة. لكن الحكومة، انتقلت في الوقت الراهن إلى العمل على إعداد وتهيئة نص جديد يهدف لتحديث الإطار القانوني للشغل البحري، لاسيما بالنسبة لسفن الصيد الساحلي و قوارب الصيد التقليدي، اعتبارا للخصوصية البالغة التي تعرفها العلاقة الشغلية على متنها، و نظرا لاستقرار الأخيرة لزمن طويل على قواعد العرف، ويتعلق الأمر بمشروع قانون رقم 95.21 الذي لايزال في مراحل الإعداد الأولى.
ويروم المغرب، من خلال إعداد هذا المشروع، الاستجابة لتحديات قانونية ملحة ترتبط، أولا بتفعيل وتحيين نصوصه القانونية المرتبطة بتدبير العلاقة الشغلية بين المجهز/ الربان، و البحري، وثانيا، ملاءمة تشريعاته الوطنية مع مقتضيات الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها رسميا، وفي طليعتها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البِحار 1982، و اتفاقية المنظمة الدولية للعمل البحري (ILO) بشأن العمل اللائق للبحارة. و اتفاقيات IMO حول السلامة وحماية البيئة البحرية. وذلك لكون المغرب عضوا في منظمة العمل الدولية التي انضم إليها مباشرة بعد استقلاله في 20 يونيو 1956 وأصبح بذلك طرفاً فيها.
كما أن المغرب، يعد بلدا مصادقا على اتفاقية العمل البحري التي وضعتها الأمم المتحدة سنة 2006 إذ صادق عليها وانضم إليها بتاريخ10 شتنبر 2012، ودخلت حيز التنفيذ بالنسبة له منذ10 شتنبر 2013.وتنص الاتفاقية صراحة على “وجوب إبرام عقد مكتوب وواضح يحدد حقوق والتزامات الطرفين” و على تحديد مدة العقد وأجرة البحّار وشروط إنهائه”.
وتنص اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 188 لسنة 2007، المتعلقة بالعمل في قطاع الصيد البحري، التي تعد مرجعا أمميا في تنظيم تشغيل البحّارة العاملين على سفن الصيد، على إلزام أصحاب سفن الصيد بإبرام عقود عمل فردية أو اتفاقات جماعية مع البحّارة، وكذا على وجوب تحديد العقد اسم البحّار وصاحب السفينة وطبيعة العمل ومدة الرحلة و مدة العقد، وكذا ما يتعلق بالأجر وطريقة أدائه (راتب أو نسبة من المردود)، فضلا عما يرتبط بشروط الإقامة والتغذية والرعاية الصحية على متن الباخرة، بل إن الاتفاقية نصت أيضا على أن ضرورة تسجيل العقود الموقعة بين الطرفين لدى سلطة بحرية مختصة .إضافة لإلزام الدول الأطراف بوضع نظام تفتيش لضمان الامتثال لمقتضيات الاتفاقية.
وتفرض الاتفاقيات التي وقعها المغرب ويعد طرفا فيها، التزامات قانونية دولية، مما دفع البلد، امتثالا منه لهذه الالتزامات، إلى لانخراط في مراجعات تهم تنظيم العلاقة الشغلية بين المجهز و البحارة، تتجه على الأرجح، لفرض إبرام عقد مكتوب بين المشغل (مالك السفينة) و بين العامل (البحار العامل على السفينة).
غير أن أرباب مراكب الصيد بالمغرب، سيما مراكب الصيد الساحلي بالمنطقة البحرية لشمال المغرب، يتوقعون صعوبات في إمكانية تنفيذ مشروع فرض عقود كتابية بينهم و بين البحارة، وذلك لاعتبارات عملية تتعلق بطبيعة وخصوصية العمل البحري، فهم يرون صعوبة تحقيق هذا الانتقال من “العرف” إلى “المكتوب” لما قد يطرحه الأمر من تعقيدات مسطرية لا طائل من ورائها، كما أنهم يعتبرون أن العرف المعمول به منذ زمن بعيد في تنظيم العلاقة الشغلية بين المجهز و البحار، لم يكن أبدا مانعا من ضمان حقوق الطرفين، وأن العرف المستقر كفيل بحماية هذه الحقوق بشكل مرن ومتلائم مع طبيعة العمل، وتبعا لذلك ينظرون إلى مسالة إلزام المجهز و البحار بالانتقال إلى “العقد المكتوب” بدلا عن”العقد العرفي”، كمجرد إجراء شكلي غير ذي جدوى، ولا يضيف قيمة نوعية للعلاقة الشغلية في مجال الصيد البحري فالعرف، بحسبهم، مستقر و العمل به يغني عن أي إضافة.
غير أن رئيس غرفة الصيد البحري المتوسطية السيد مونير الدراز ينظر إلى موضوع العقد المكتوب من زاوية أخرى، إذ يفضل، عند الضرورة، أن يتعاقد المجهز مع ربان الباخرة دون غيره، على أن يقوم الأخير بإبرام عقود الشغل مع البحارة، باعتباره أدرى من غيره باحتياجات الباخرة. ورغم دقة المسألة بالنظر إلى ما ينتج عن تكليف الربان بتوقيع عقود شغل البحارة، من مسؤوليات لا تقع في نطاق عمله وصفته، فإن المهنيين يتطلعون إلى خلق صيغ تعاقدية تراعي وجهة النظر هذه، ويجتهد واضعها في إعفائهم من التعاقد المباشر مع البحارة، لكن مع حفظ حقوق أطراف التعاقد بشكل يحقق قدرا مناسبا من المرونة و يخفف في الوقت ذاته من الإجراءات النمطية المعتادة.
ويحظى العرف البحري بمكانة مهمة بالمغرب، خصوصاً في قطاع الصيد التقليدي والساحلي، حيث كان بمثابة تشريع مرن يحفظ الحقوق المتبادلة بين الطرفين، كما هو الحال بالنسبة لتنظيم أداء الأجور وفق نظام الحصة، وتعيين قواعد العمل بين ربّان الباخرة وبحارتها وكيفية تشغيل البحارة أو إنزالهم من على متن الباخرة في ظروف معينة، و تقسيم محصول الصيد بعد خصم المصاريف، وهو تنظيم يعتقد أنه ملائم بسبب مرونته وعدم تقيده بإجراءات الشكل. فالعرف المعمول به منذ عقود يحدد، على سبيل التمثيل، مهام الربان باعتباره مسؤولا عن الملاحة، ووظيفة ربان الصيد المساعد، ومهام البحارة كمسؤولين عن شباك الصيد وتنظيفها و إفراغها من الصيد. هذا فضلا عن تنظيم العرف
لقواعد التضامن بين الطاقم التي تقضي بتقاسم الخسائر الناتجة عن عطب المركب أو فشل الرحلة، بشكل يعزز روح التعاون.
ويتخوف المجهزون و البحارة من مضامين مشروع قانون رقم 95.21، المرتقب صدوره خلال فترة زمنية غير طويلة، أن يضع واقع العمل البحري في ظروف معقدة، وذلك بسبب صعوبة إبرام عقود شغل بينهما، فالطاقم البحري يعمل وفق مبدأ التفاهم و التلاؤم بين البحارة بحيث لا يمكن، عند فرض “عقد مكتوب”، إجبار بحار على إتمام مدة العقد وفرض جزاءات عليه في حال مغادرته المركب، وذلك لما قد يطرحه الأمر من اختلال في نمط العلاقة بين طرفي العقد وما قد ينتج عن ذلك من إشكالات، في حين أن الواقع الحالي، المحكوم بقواعد العرف، يكرس بشكل واضح حرية البحار في اختيار المركب الذي سيشتغل على متنه أو النزول منه، اعتبارا لمؤهلاته المهنية و رغبته المبنية بشكل أساسي على المردودية المفترضة للمركب و طبيعة الطاقم العامل على متنه، كما يكرس أيضا حرية المجهز في اختيار عناصر طاقم المركب بصورة تحظى بالقبول من الطرفين، وفي نفس الوقت ضمان قاعدة عدم مخالفة العرف، لمقتضى نص قانوني آمرا أو تعارضه مع النظام العام، كما هو الحال بالنسبة للتصريح الإجباري لدى مصالح الضمان الاجتماعي و الحد الأدنى للأجور أو ساعات العمل. فالعرف يسري في حدود ما لا يتعارض مع القانون. كما أن القضاء المغربي يرجع لمقتضيات العرف المهني في أحكامه، في القضايا التي يغيب فيها نص قانوني صريح أو غاب عنها عقد مكتوب يحدد الحقوق والالتزامات، كما هو الحال في قطاع الصيد البحري. القضاء المغربي يستمد اعتماده على العرف من النصوص التشريعية نفسها، لاسيما الفصل 474 من قانون الالتزامات والعقود المغربي (ق.ل.ع) الذي ينص على أن “العرف لا يُعمل به إلا إذا لم يوجد نص تشريعي أو اتفاق صريح أو ضمني مخالف، على أنه يمكن تفسير العقد بالعادات الجارية في الجهة التي أُبرم فيها” كما أن الفصل 2 من قانون الالتزامات والعقود يشير إلى أن القاضي يبت في القضايا المعروضة عليه وفقاً للنصوص التشريعية والعرف عند غياب النص بل إن الفصل . 230 من ق.ل.ع يجعل من “العادات والعرف الجاري” مرجعاً في تفسير النوايا غير المعبّر عنها في العقود. ومن أمثلة الأحكام الصادرة عن القضاء المغربي في الموضوع الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بالعرائش الذي قضى بالاعتراف بعلاقة شغل بين البحّار وربّ المركب استناداً إلى “العرف البحري الجاري في ميناء العرائش بشأن نظام القسمة” ومن نماذج من الاجتهاد القضائي المغربي القرار الصادر عن محكمة النقض (غرفة الشغل) عدد 1127/2018 الذي جاء في حيثياته أن “العرف المهني يعدّ مرجعاً لتحديد الأجر وطريقة احتسابه متى لم يوجد عقد مكتوب أو اتفاق مخالف.” كما جاء في حكم صادر عن ابتدائية آسفي عدد 453/2019 : “وحيث جرى العرف البحري بميناء آسفي على توزيع محصول الصيد بنسبة محددة بين مالك المركب والبحارة، فإن المحكمة تأخذ بهذا العرف ما دام لا يخالف النظام العام.” فيما أكد قرار لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء في ملف اجتماعي عدد 326/2017 أن “العمل بالعادات المهنية ثابت في قطاع الصيد، ويشكل مصدراً مكملاً للقواعد القانونية المنظمة لعلاقات الشغل البحرية”، فالقضاء المغربي يعترف بالعرف المهني كمصدر مكمّل ومفسّر، بل يستند إليه في أحكامه عند غياب النص القانوني،أو انعدام وجود عقد مكتوب، وكذا عند حاجة القاضي إلى تفسير العلاقة و تقدير الحقوق وفق العادات المهنية الثابتة، وهو ما يُعتبر معه قطاع الصيد البحري من أبرز المجالات التي يُطبَّق فيها هذا المبدأ بانتظام، باعتباره أن العرف أحد أقدم مصادر القاعدة القانونية، كما أنه لعب دوراً محورياً في تنظيم العلاقات المهنية قبل ظهور التشريعات المكتوبة باعتباره سلوكا مستقرا قد اكتسب قوة الإلزام بفعل تقبّل الجماعة له على أنه قاعدة واجبة الاتباع، فالعرف البحري في حالة المغرب يعمل إلى جانب النصوص المنظمة لقطاع الصيد، ويُرجع إليه عند سكوت القانون أو غموضه، وتبعا لذلك فإن العرف يبقى مكملاً للقانون لا بديلاً عنه.
وأمام الإكراهات القانونية التي تقع على المغرب، و المتمثلة في ملاءمة تشريعاته الوطنية مع مقتضيات الاتفاقيات التي وقعها، يجد نفسه أمام واقع معقد بصورة ما، فهو، من ناحية، ملزم بالتنصيص على فرض العقد المكتوب بين المجهز و البحار، و بين الحفاظ على الحقوق المكتسبة في ظل العمل بالعرف، ولأجل ذلك، فهو مجبر مبدئيا على القيام بصناعة وتطوير نماذج عقود موحدة صالحة لجميع أنواع مراكب الصيد تُعدّها جهات مهنية أو حكومية على قدر كبير من الإلمام بالموضوع وتفاصيله الدقيقة و الانخراط في حملات توعية وتكوين داخل الموانئ والمراكز المهنية لفائدة البحارة وأرباب المراكب والاستعانة بمؤسسات المجتمع المدني البحري (نقابات البحّارة، جمعيات الأرباب) بصورة تضمن التوازن بين المصالح، وذلك بصورة تجيب على تساؤلات نسبة كبيرة من أرباب المراكب الذين يرون أن هذا الالتزام بإبرام عقود مكتوبة قد يؤدي إلى تضخيم مستوى التعقيدات الإدارية.
فهل ستستجيب مضامين مشروع قانون رقم 95.21 لانتظارات البحارة و أرباب مراكب الصيد على حد سواء؟ وهل ستساهم في تدبير علاقات الشغل بصورة تضمن الانتقال السلس من العرف إلى المكتوب و تحمي الحقوق المكتسبة بشكل يتلاءم مع خصوصيات الشغل البحري؟































