في ليالي رمضان، حين يهدأ صخب النهار وتستكين الأزقة، تستعيد الذاكرة المغربية واحدة من عاداتها المرتبطة بوقت السحور. كان الطبال يجوب الحارات، ويصاحبه أحيانا النفار أو الغياط، فتصل الإشارة إلى البيوت بأن موعد السحور قد اقترب. لم تكن تلك الأصوات مجرد وسيلة تنبيه قبل الفجر، بل كانت جزءا من روح الأحياء، حيث يعرف السكان صاحب الصوت وينتظرون مروره. ومع الزمن تراجعت هذه العادة في أماكن كثيرة، لكنها بقيت حاضرة حيث ما يزال أشخاص يحملونها بحماس وإيمان بقيمتها الاجتماعية.
في مدينة مارتيل ما تزال هذه العادة تجد من يحييها كل ليلة من ليالي رمضان. هناك شاب اختار أن يحمل الطبل ويجوب الأزقة قبل الفجر، محافظا على تقليد يعرفه السكان جيدا. يوسف أبري، شاب أصبح حضوره جزءا من تفاصيل السحور في عدد من أحياء المدينة. منذ سنوات وهو يخرج في الوقت نفسه تقريبا، يسير بخطوات هادئة ويقرع طبلته بإيقاع يعرفه السكان. ومع مرور الوقت لم يعد مجرد شاب يوقظ الناس، بل صار علامة مألوفة في ذاكرة الليل الرمضاني لدى كثير من العائلات هناك.
منذ نحو سبع سنوات يلتزم يوسف بهذه الجولة الليلية دون انقطاع تقريبا. يخرج قبل الفجر بقليل، يحمل طبلته الصغيرة، ويبدأ السير بين الأزقة بهدوء وثبات. لا يحتاج سكان الأحياء إلى رؤيته حتى يعرفوا أنه مر من هناك؛ فالإيقاع الذي يقرعه صار مألوفا لدى الجميع. ومع كل ليلة من ليالي رمضان يتحول صوته إلى إشارة يعرفها الناس جيدا، تخبر البيوت بأن وقت السحور قد اقترب. وبين ضربة طبل وأخرى تمضي خطواته في صمت الليل، بينما تستيقظ النوافذ تدريجيا على وقع الإيقاع الذي اعتادته المدينة.
تمتد جولة يوسف عبر أحياء يعرف تفاصيلها كما يعرف خطوط كفه. يبدأ طريقه من “الكارديوس”، ثم يمر عبر “الكرامة”، ويواصل السير في دروب “تشومبيرا” و”الميمونيين”، قبل أن يتجه نحو محيط مسجد أم القرى ويعرج على تجزىة “المرابط”. في هذه المسافة الليلية تتكرر الخطوات كل ليلة، لكن العلاقة التي نسجها مع سكان هذه الأزقة تجعل حضوره مختلفا في كل مرة. فكل حي ينتظر صوته بطريقته، وكل نافذة تعرف الإيقاع الذي يسبق لحظة السحور.
ولا يكتفي يوسف بقرع الطبل فقط أثناء جولته الليلية، بل يرفع صوته أحيانا وينادي بعض الجيران بأسمائهم إذا طال نومهم. يعرف سكان الأحياء هذه العادة جيدا، لذلك يجيبونه من النوافذ أو يحيونه من الأبواب بكلمات دعاء قصيرة قبل أن يواصل طريقه. هكذا تتحول جولته في الليل إلى نوع من التواصل البسيط بينه وبين الناس. وبين ضحكة من نافذة وتحايا من باب مفتوح، يمضي يوسف في طريقه، كأنه ينسج علاقة صداقة هادئة مع مدينة اعتادت حضوره في تلك الساعة.
في مارتيل يعرفه كثيرون ببساطته وطيبته قبل أن يعرفوه بطبل السحور. يتعامل مع الجميع بأدب واضح، ويقابل التحية بمثلها، ولا يتردد في أداء هذه المهمة كل ليلة من ليالي رمضان. حضوره هادئ، لكنه يترك أثرا واضحا لدى سكان الأحياء التي يمر بها. ومع مرور السنوات أصبح يوسف وجها مألوفا وصديقا للجميع، يعرفه الصغار قبل الكبار. وبين بساطته وابتسامته الدائمة يجد الناس فيه صورة لشاب اختار أن يخدم مدينته بطريقة بسيطة لكنها محببة.
ورغم بساطة هذه المهمة في ظاهرها، فإن يوسف يؤديها بحماس واضح وإصرار هادئ. يخرج كل ليلة كأنه يكرر الموعد نفسه مع الأزقة التي يعرفها والبيوت التي تنتظر صوته. في خطواته شيء من العزم الذي لا يحتاج إلى ضجيج، وفي حضوره ما يكفي ليجعل هذه العادة تستمر. وبين صوت الطبل الذي يسبق الفجر وخطواته التي تعبر الأزقة، يبقى “يوسف أبري” جزءا من صورة رمضان في مارتيل، شاب اختار أن يوقظ المدينة كل ليلة بابتسامة صادقة وإيقاع يعرفه الجميع.






























