في عملية أمنية دقيقة تعكس عمق التنسيق بين المكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمفوضية العامة للاستعلامات التابعة للشرطة الوطنية تم تفكيك خلية متطرفة موالية لتنظيم “داعش”، كانت تتحرك بين الضفتين ضمن شبكة محدودة العدد لكنها متعددة الأدوار. العملية، التي نفذت بشكل متزامن بين البلدين، كشفت مرة أخرى عن تحول التهديدات الإرهابية نحو نماذج أكثر مرونة، تعتمد على خلايا صغيرة قادرة على التمويل والدعم والتخطيط في آن واحد، بما يجعل رصدها واستباق تحركاتها رهينًا بفعالية التعاون الدولي.
وحسب بلاغ للمكتب المركزي للأبحاث القضائي، فإن المعطيات المرتبطة بهذه العملية تشير إلى أن التدخل الميداني لم يكن معزولًا، بل جاء تتويجًا لمسار من التنسيق وتبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية في البلدين. ففي الوقت الذي باشرت فيه عناصر القوة الخاصة التابعة للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني عمليات التوقيف بمدينة طنجة، كانت المصالح الأمنية الإسبانية، تتحرك في الاتجاه ذاته لتوقيف العنصر الثالث بمدينة “مايوركا”، والذي يُرجح أنه يشكل محور القيادة داخل هذه الخلية، بما يعكس وحدة الرؤية العملياتية بين الطرفين.
وأبرزت نتائج البحث الأولي أن هذه الخلية لم تكن موجهة نحو التنفيذ المباشر داخل التراب المغربي، بل اضطلعت بأدوار داعمة تتعلق بتأمين التمويل وتوفير الإسناد اللوجستي لفائدة عناصر متطرفة تنشط في بؤر توتر خارجية، خاصة بمنطقة الساحل جنوب الصحراء والصومال. في المقابل، تتقاطع المؤشرات حول دور العنصر الموقوف بإسبانيا مع فرضية الإعداد لعمل إرهابي محتمل، وفق نمط “الذئاب المنفردة”، وهو ما يعكس التحولات التكتيكية التي باتت تميز التنظيمات المتطرفة في المرحلة الراهنة.
وذكر البلاغ أنه في سياق تعميق الأبحاث، وضع المشتبه فيهما الموقوفان بالمغرب تحت تدبير الحراسة النظرية، بإشراف النيابة العامة المختصة، قصد تفكيك الامتدادات المحتملة لهذه الشبكة ورصد تفرعاتها داخل وخارج التراب الوطني. ويتتظر أن تكشف التحقيقات الجارية عن خيوط إضافية قد تقود إلى تحديد شبكات دعم أوسع، أو ارتباطات غير معلنة، بما يعزز من فعالية المقاربة الاستباقية التي تعتمدها الأجهزة الأمنية.
وأكد البلاغ ان هذه العملية لا تنفصل عن دينامية أوسع من التعاون الأمني بين الرباط ومدريد، والتي راكمت خلال السنوات الأخيرة نتائج ملموسة، تمثلت في تفكيك عشرات الخلايا وإحباط مخططات ذات خطورة عالية. وهو ما يؤكد أن الشراكة بين البلدين لم تعد ظرفية أو مرتبطة بسياقات محددة، بل أضحت خيارا استراتيجيا دائما لمواجهة تهديدات عابرة للحدود، تتطلب تنسيقا يتجاوز الحدود الجغرافية نحو بناء أمن مشترك قائم على الاستباق والتكامل.


























