الغبزوري السكناوي
ينتمون إلى عوالم متعددة، الأدب، الفن، السياسة، والصحافة، لكنهم التقوا عند فضول واحد. جاؤوا إلى المغرب سائحين، وبحثهم عن “الكيف” قادهم أبعد مما توقعوا. من داخل التجربة كتبوا، ومن قربها أبدعوا. في جبال كتامة توزعوا بين الفجاج، كأنهم يعيدون اكتشاف المكان لا زيارته فقط. اختلفت خلفياتهم وتباينت مقاصدهم، لكنهم اتفقوا على سحرها؛ هناك، في عالم بدا خارج المألوف، اقتربوا من معنى الغربة، وأجمعوا على جودة “الكيف”، واهب السعادة، وروعة طبيعتها، واستسلموا لإيقاعها الهادئ دون مقاومة.
“الكيف” المغربي لم يكن مجرد تفصيل عابر، بل ظل حاضرا في السرد العالمي لعقود. في مطلع القرن العشرين، سجل الأمريكي “فيكتور ساسونا” انطباعه عن طنجة التي نزل بها سنة 1903، ملاحظا انتشار استهلاك “الحشيش” المحلي بشكل عادي. وفي مذكراته الصادرة سنة 1914 بعنوان “رحلتي إلى شمال إفريقيا”، وصف “كيف” كتامة بأنه من أجود ما جرب. كما أشار إلى دعوة تلقاها من أحد الشباب لمرافقته إلى مناطق قريبة يُزرع فيها هذا النبات، في تجربة جمعت بين الفضول والاكتشاف المباشر للمكان.
في سياق لاحق، سترتبط كتامة بتجرية أحد وجوه “جيل المنهزمين”، وهي حركة أدبية أمريكية. الشاعر والروائي، “وليام بوروز”، حل بطنجة سنة 1953، قبل أن يصدر روايته “الغذاء العاري” عن منشورات “أولمبيا بريس”. والتي اتخذت من طنجة، إلى جانب فضاءات أخرى، مسرحا لأحداثها. وقد تحولت سنة 1991 إلى فيلم سينمائي بالعنوان نفسه، مما يعكس كيف امتدت تلك التجارب الفردية إلى الأدب والسينما، حاملة معها أصداء المكان وتأثيره في المخيال الثقافي.
أما “بول بولز”، فقد جاءت كتامة إليه من مدخل الموسيقى. سنة 1959، عبر الريف لتسجيل مختارات من الموسيقى الشعبية لفائدة مكتبة “الكونغرس”، بتكليف من مؤسسة “روكفلر الأمريكية”. غير أن الرحلة لم تتوقف عند التوثيق، بل فتحت له باب الاحتكاك المباشر بالحياة المحلية. بين طنجة وكتامة، جرب “الكيف البلدي”، وترك إشارات متفاوتة في كتاباته، بعضها صريح وبعضها موارب. كما ترددت هذه الأجواء في حكايات أخرى ارتبطت بجلسات كان “الحشيش” حاضرا فيها ضمن تفاصيل الحياة اليومية.
سحر كتامة لم يتوقف عند تلك المرحلة، بل استمر في استدعاء السرديات الحديثة. في مطلع الألفية، تعود في رواية “غبار الحشيش” لماحي بينبين سنة 2001، حيث تتحول إلى فضاء يغوي شخصيات تبحث عن مخرج. “بيير” و”سونيا” يهربان من صقيع فرنسا نحو قلب الريف، حيث حقول القنب الهندي وإيقاع حياة مختلف. المكان هنا لا يظهر كخلفية فقط، بل كقوة جاذبة تعيد تشكيل المسار، وتمنح التجربة بعدا وجوديا يتجاوز حدود الرحلة العابرة نحو معنى أعمق.
وفي رواية “سأعود إلى كتامة” الصادرة سنة 2006 للبلجيكي *جاك هيبرار”، تتداخل صورة أخرى للمكان. بين ظلال التهريب وحضور النظام الأمني، تظهر ملامح الضيافة وهدوء الجبال. بطل الرواية، “مارك لاندريو”، الذي فقد انجذابه لحياته الباريسية رغم اكتمالها، يجد نفسه مدفوعا نحو هذا الفضاء. الرحلة، التي تبدأ بفضول، تنتهي بإقامة داخل “أرض مجهولة”، حيث يعاد اكتشاف معنى العيش بعيدا عن الصور الجاهزة والانطباعات السطحية السائدة.































