التبريس.
أمام التحديات الكبرى للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية التي يفرضها تسيير المدينة , تلعب الجماعة الحضرية دورا هاما في هذه التنمية و هذا التسيير و لرفع هذا التحد تحتاج هذه الجماعات الى مجهود جبار للتحديث مع اعتبار أن الموارد البشرية يمكنها أن تلعب دورا محوريا في الدفع نحو دينامية حقيقية للتغيير في اتجاه تحديث تسيير الجماعات. لكن و رغم هذا الدور الهام الذي تكتسيه الموارد البشرية و تحسين تدبيرها الا أننا نلمس غياب الوعي بهذه الأهمية عند أغلبية الجماعات المحلية بالمغرب.فرغم النمو السريع لحجم الموظفين الجماعيين الناتج عن التوظيف المرتفع خلال سنوات السبعينات و الثمنينات و التسعينات من طرف الجماعات المحلية الا أنها مازالت تعاني من سوء استغلالها لهذه الموارد البشرية و غياب الفعالية المنشودة منها و التي تعزى الى عدة أسباب منها على الخصوص عدم كفايتها و سوء توزيعها وضعف التأطير بالاظافة الى غياب سياسة تسيير الموارد البشرية , مما حذى بأغلب الطبقات السياسية الى المطالبة باعطاء أهمية كبرى للعنصر البشري الذي من دونه لا يمكن للجماعة أن تطور مجالها الترابي.
وهكذا فالموارد البشرية تعتبرمن أهم العوامل الأساسية للإنتاج ، لهذا فحسن تدبيرها وتطويرها مهمة لا يتم توكيلها إلا لمن كان له رصيد مهم من التجارب الميدانية، ولا يتقن مهنتها إلا لمن لديه دراية شاملة وواسعة بمجموعة من العلوم، كعلوم التسيير، علم النفس، علم الإجتماع وعلم الإقتصاد. إن المهمة تكاد تكون شبه مستحيلة أو على الأرجح فهي معقدة وتعتمد على الحنكة والشخصية المثاليتين وكذا الكفايات العالية للشخص المزاول لها. فتدبير الموارد البشرية لا يخضع لضوابط مطلقة، وذلك وفق النظريات المتعددة في هذا المجال، ولكن يحتاج على الأقل إلى تطبيق الإدارة العمومية ، في علاقتها مع الموظفين ، وبشكل صحيح ، للتقنيات المعروفة في علوم تدبير المنظمات، كالتحفيز، التواصل، التوظيف، التكوين، إدارة الحياة المهنية والتسيير التحسبي للموارد البشرية… فهل يمكن بالفعل التحدث عن وجود هياكل حقيقية وفعالة لتدبير الموارد البشرية بإلجماعة الحضرية للحسيمة ؟ وإلى أي حد يتمتع جل المسؤولين عن إدارة مصالح الموظفين بالكفايات الضرورية لمزاولة مهامهم ؟ رغم ما يعرفه المغرب من تحولات وتغيرات إستراتيجية إيجابية في شتى المجالات، وبالأخص على مستوى الخدمات العمومية ، إلا أننا نلمس أن الجماعات الترابية لازالت بعيدة كل البعد عن السعي وراء الأهداف المنشودة من أجل إدماج وتحسين أداء الموارد البشرية.
إن تسيير الموارد البشرية بالجماعة الحضرية للحسيمة مثلها مثل جميع الجماعات الترابية خاضع بالأساس للنظام العام للوظيفة العمومية والذي يمثل الإطار القانوني الذي يحدد حقوق، واجبات وإلتزامات الموظفين وكذا المساطر التأديبية. يتميز هذا النظام العام ، والمستوحى بالأساس من النظام العام الفرنسي للوظيفة العمومية ، المستوحى بدوره من النموذج البيروقراطي، بصلابته المتجسدة في المركزية المفرطة لتسيير الموارد البشرية وكذا طبيعة الميكانيزمات المحاسباتية وطبيعة الميكانيزمات المتعلقة بالميزانية المعمول بهما. وبالتالي فإن تدبير الموارد البشرية بهذه الجماعة يصطدم بمجموعة من العوائق، متعلقة بالأساس بالإطار القانوني، طرق التوظيف، نظام إدارة القوى العاملة والكفايات وكذا نظام تقييم أداء الموظفين. فبالنسبة لطرق التوظيف الحالية، فهي لا تساعد على إستهداف وبشكل دقيق المواصفات والمؤهلات التي تتلاءم مع مستلزمات ومتطلبات المناصب الشاغرة. إلى جانب هذا، نجد كذلك أن جزء مهم من المسؤولين عن الموظفين بهذه الجماعة، لا يتوفرون على تكوين أكاديمي معمق بميدان تدبير الموارد البشرية، بل بميادين أخرى، قد تكون بعيدة حتى عن مجال التسيير. فهذا الوضع لا يعزى بالأساس إلى قلة الكفايات بها أو عدم تواجدها، وإنما هنالك كذلك إختيارات سياسية ذات علاقة بالتوجهات الحزبية والنقابية. ففيما يخص إدارة القوى العاملة والكفايات، فهي تعاني، من جهة، من إرتفاع أعداد القوى العاملة في الفئات ذات المستويات التأهيلية المتدنية، ومن جهة أخرى، من سوء توزيع الموظفين بين الاقسام و بين المصالح بنفس القسم. ويتضح أن بعض الأقسام تتوفر على عدد مهم من الموظفين، ربما يفوق الإحتياجات الضرورية، بينما تعاني أخرى من خصاص حاد في مواردها البشرية. أما فيما يهم نظام التقييم، فهو لا يمكن من تثمين أداء الموظفين على أساس معايير موضوعية ولا يعكس حقيقة واقع الوظيفة ولا مستوى مردودية الموظفين. ونلاحظ كذلك أن تدبير الموارد البشرية بهذه البلدية يفتقد إلى ما يسمى بإدارة الحياة المهنية، فغياب هذا النوع من التسيير يجعل الموظفين لا يتوفرون على نظرة مستقبلية جيدة لمسارهم المهني. نخلص، من خلال هذه الوضعية، إلى أن الجماعة الحضرية للحسيمة تواجه تحديات يجب رفعها في ميدان تدبير الموارد البشرية، وذلك من أجل تحديث هذا المجال وتطويره، تماشيا مع ما يطمح المغرب إليه في إطار مشروع الحكامة الجيدة، والذي يستلزم إنخراط جميع الفاعلين بشكل صحيح وحقيقي. إن هذا المبتغى لن يتأتى إلا بتصميم وتفعيل برامج عملية، تستمد مرجعيتها من إستراتيجية واضحة المعالم والأهداف في تدبير الموارد البشرية، يكون من أهدافها تحفيز الموظفين، ماديا ومهنيا، فتح فرص التكوين الأساسي والتكوين المستمر لإعداد الكفايات المستقبلية، وذلك لمواكبة التغيرات المستقبلية . فمن هذا المنبر وإقتناعا منا بضرورة المشاركة الفعلية في تنمية مدينة الحسيمة و تقدمها وإزدهارها، وذلك من خلال الرقي بمجال الوظيفة العمومية بهذه الجماعة الترابية وتطويرها، وعلى ضوء ما تم ذكره في السابق يمكن طرح التساؤلات التالية :
كيف يمكن تشخيص وضعية البنية الحالية للموارد البشرية بالجماعة الحضرية للحسيمة ؟
هل توجد سياسة لتسيير الموارد البشرية من داخل هذه البلدية و ماهي مميزاتها ؟
ما هي الاجراءات المفعلة لتنمية الموارد البشرية ببلدية الحسيمة و ماهي الأليات المتبعة لتحقيق ذلك ؟
كيف يقيم الموظف الجماعي السياسة الجماعية اتجاه الموارد البشرية ؟
أي تصور لتدبير دور تسيير الموارد البشرية لتحديث تسيير الجماعة ؟
اين موقع تحتله وظيفة الموارد البشرية داخل الجماعة الحضرية للحسيمة ؟
للاجابة على هذه الأسئلة والتي يمكن اجمالها في الاشكالية الرئيسية التالية و التي تعتبر كدليل مرجعي لبحث ميداني موجه لأطروحة نيل الماستر في تدبير الموارد البشرية و ديناميكية المجال و الذي ناقشنا خلالها لموضوع “تسيير الموارد البشرية و الجماعات المحلية : بلدية الحسيمة نموذجا” : ما هي محاور التنمية التي تسمح بتسيير جيد و مضبوط للموارد البشرية داخل بلدية الحسيمة و التي تمكن من تحويل هذه الموارد الى رافعة و رهان لتنميتها أي ما هو دور تسيير الموارد البشرية في ضبط الموارد البشرية المتوفرة و في التوفيق بين الحاجيات و المناصب الشاغرة ببلدية الحسيمة و أي سياسة لتسيير الموارد البشرية و التي تؤدي الى جلب لأفضل الكفاءات الممكنة لرفع تحد تسيير و تنمية مدينة الحسيمة .سنتطرق في المقال المقبل الى مختلف عناصر الاجابة و التي ستتضمن تحليل دقيق و مناقشة مستفيضة لمختلف المظاهر الاجتماعية لتدبير الموارد البشرية ببلدية الحسيمة و دراسة مقارنة بين منهجية تدبير الموارد البشرية للمجلس الحالي و المجالس السابقة و/ أو بين بلدية الحسيمة و الجماعات الأخرى.
التبريس: بقلم عبد الكريم الطاهري : باحث في الاقتصاد و التسيير































