أكدت الباحثة اللبنانية حُسن عبود في حوار لها على موقع مؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث “، الذي أجراه معها الباحث المغربي عبد الله إد الكوس، أنّ فتح النصّ المقدّس على الفهم هو العتبة الأولى للدخول إلى عالم النص وفهم موقفه من أيّ مسألة. وأنّ القيام بإعادة القراءة لعملية تأويلية طويلة لفهم النصوص مع ما يتلاءم من تطوّر العلوم الدينية والنظريات الأدبية النقدية ونظرية استقبال النص في عصرنا هذا هو ضرورة حيوية للنهوض بالفكر الإسلامي المتأزّم.
ويعود تفكيك الباحثة اللبنانية للفكر العربي الإسلامي إلى رغبتها في إبراز الحيف الذي تعاني منه المرأة في الفكر الإسلامي المتأزم،وقد اختارتمسلكاً في البحث في قضايا تخصّ هذا الفكر وتخصّ المرأة، وجمعتبذلك في طريقها بين التفكيك والتأصيل؛ من جهة تفكيك للخطاب العربي الذي يصدر عن بينية ذكورية تختزن قيم التراتبية الجنسية في انطلاقه بوعي أو بغير وعي من مبدأ أفضلية الذكر على الأنثى، كموجّه “ما قبلي” للمعرفة التي تصدر عن العقل الديني العربي، ومن جهة ثانية خطاب تأصيلي تروم به الباحثة تأصيل لما يمكن اعتباره خطاباً جديداً لإنسية منفتحة تشكلت قاعدتُه الأساسية في محاورة النصوص الدينية، وتسليط الضوء على المنسي منها، يبرز ذلك في بحثها الأساسي حول نبوّة مريم عليها السلام.
ومن أجل ذلك، أنجزت حُسن عملاً متميزاً، وهو كتاب “السيدة مريم في القرآن الكريم“، الذيقدّمت به إضافة علميّة تعكس، لأوّل مرّة في تاريخ علوم القرآن وتفاسيره، اهتمامات العصر بقضايا المرأة و”النوع” (الجندر) والنقد الأدبي النسوي حيث أبديتُ شجاعة في حوار هؤلاء المفسرين، فكَشَفَتْ هذه القراءة النقديّة حضور الخطاب القرآني بالنسبة لأكثر النساء هيبة في القرآن الكريم وحدود قراءات المفسّرين التي تجاوزت علامات “نبوّة مريم،” التي كما بَدَت لي رؤية لا تنفصل عن رؤية المساواة بين الرجل والمرأة في القدرات على المجاهدات الروحيّة والأخلاقية في الخطاب القرآني.
وتناولت حُسن نبوّة مريم (عليها السلام)، لأنها تشكل مسألة عقائدية على أعلى مستوى، وقد أثارت هذه المسألة العقائدية الفقيه الظاهري ابن حزم الأندلسي والمفسّر القرطبي الأندلسي صاحب التفسير الكبير، ودافعا عنها. واستكمالاً لذلك قامت الكاتبة اللبنانية بقراءة استجابتهما لمسألة نبوّة مريم و”تلقّي النساء الوحي من الله” بواسطة الملائكة. وقد اعتمد المفسّرون الأندلسيون والمشارقة في نقاشاتهم على حججٍ مستمدّة من داخل النصّ (القرآن) وخارجه (أدبيّات الحديث والسيرة).
لقد قام كلّ من ابن حزم والقرطبي بتقديم الشواهد النصيّة على “تلقّي مريم الوحي من الله عزّ وجلّ بالتكليف والإخبار والبشارة”، لذلك ارتبط ذلك الوحي بمفهوم النبوّة. ومشاركة الباحثة اللبنانية حُسن لهذه المسألة كانت، حسب الشاهد القرآني، في إبراز دور مريم الجينيولوجي المهم في ربط سلالة الأنبياء- من ذريّة آدم إلى ذريّة إبراهيم ـ بعضها من بعض (قرآن 3:32). وقد ساعد هذا الاجتهاد على طرح فرضيّة نبوّة مريم التي ترتكز، بالدرجة الأولى، على نَسَبْ عيسى لأمّه التي سُمّي باسمها “عيسى ابن مريم”. فقد اقتضى بسبب غياب الأب، والحاجة إلى إبراز طبيعة عيسى البشريّة، وتجنّب أي إيعاز لأبوّة الله تعالى له، نسبة عيسى إلى أمّه مريم. لذلك، إذا افترضنا صحّة هذا النسب الأمومي، كما تقول الباحثة اللبنانية، والإرث النبوي كما يبدو في سورة آل عمران هو سلالة من الأمّ الكبرى (امرأة عمران) إلى الأم (مريم)، فيصبح عيسى نبيّاً باصطفاء الله لآل عِمران “ذرية بعضها من بعض“.
وتضيف حُسن أنّ هناك دليلاً منطقياً آخر على سِمة نبوّة مريم المتضمّنة في الإحالة القرآنيّة لـ “أخت هارون” لأسباب “نموذجيّة”، حين نوديت مريم بـ”يا أخت هارون”. وهارون هو أخو موسى ومريام، و”مِيريام” في سفر الخروج لقبت بـ “النبيّة الأولى أخت هارون”. (سفر الخروج 15: 20-21)
د.حسن عبود































