بقلم: أمين خطابي
على امتداد ما يقارب 25 كيلومتر من الطريق السريع الرابط بين بني بوعياش، أجدير والحسيمة المدينة، يلفت انتباه الوالج إلى قلب الريف عبر هذا المحور، بأن أمرا ما غير عادي هنا.. باراجات ثم باراجات، موزعة بين سدود جهازي الأمن الوطني والدرك الملكي، المعززة بالرادارات الإلكترونية منها والبشرية ..
سبع “باراجات” بالتمام والكمال (في بعض الأحيان تصل إلى تسعة)، بداية من سدين للأمن الوطني بمدخل مدينتي بني بوعياش وإمزورن، وثالث للدرك الملكي بمركز بوكيدارن، أما منطقة أجدير فلها حصة الأسد، نظرا لرمزيتها التاريخية ربما.. حيث نجد بها ثلاث “باراجات” لرجال حسني بنسليمان، موزعة بين ملتقى الطرق الرابط بين الطريق الساحلي وأجدير، ومركز “كونطرول” وسد أمني ثالث بـ “دهار سلوم”، حيث ألتقطت صورة لدركي، يتربص بالسائقين بالرادار مختبئا وراء عمود للكهرباء، أما السد السابع والأخير فهو مخصص لرجال عبد اللطيف الحموشي بمدخل مدينة “كابول” الحسيمة عفوا !
نعم هذه هي الاستراتيجية الأمنية المبالغة فيها إلى أقصى الدرجات، المتبعة في محور الذي لا يتجاوز عدد سكانه 100.000 نسمة، وهو نصف عدد سكان حي بالدار البيضاء، في الوقت الذي لا نجد مثل هذه السدود الأمنية، في المدن التي تعرف ارتفاعا مهولا في نسب الجريمة، أو بالمدن الجد حساسة كالعاصمة الرباط، التي تضم سفارات الدول الأجنبية والمقرات الرئيسية لكبريات المؤسسات العمومية والشركات الكبرى المستحوذة على الإقتصاد الوطني، وإقامات كبار الشخصيات الموزعة بين بوزنيقة والصخيرات.
هذه المقاربة الأمنية الإستثنائية بإمتياز المتبعة بإقليم الحسيمة، التي توحي للمرء على أنه بصدد دخول تراب مدينة تعيش حالة توتر واستنفار دائمين، على غرار ما تعيشه قندهار الأفغانية أو الفلوجة ببلاد الرافدين، لها الوقع السلبي الكبير على المنطقة برمتها، على المستوى الإجتماعي والإقتصادي خصوصا.
ففي ظل غياب مشاريع إستثمارية وتنموية حقيقية للدولة، فقد اكتفت فقط بالتتبع وبأهمية بالغة من العاصمة الرباط، عبر أجهزتها الرسمية وعيون المختبئين في جبة “المناضلين” الذين انتهت صلاحيتهم، و”الجمعويين” المحسوبين على المخبر الأول للريف بالرباط، (تتبع) كل ما له علاقة بمطالب الإنفصال بالريف ومحاولة مجابهته بهاجس الأمني مفرط، حتى حُول إقليم الحسيمة بأسره إلى منطقة شبه “عسكرية” غير معلنة، سواء بتوزيع هذا الكم الهائل من السدود الأمنية، أو بإبقاء الثكنات العسكرية للبحرية الملكية على مستوى شارع الحسن الثاني بقلب مدينة الحسيمة، دون الحديث عن الثكنات التي بنيت حديثا للقوات المساعدة بآيث قمرة.
وإذا كانت الدولة / المخزن، ليس لديها رغبة لإخراج إقليم الحسيمة، من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها منذ مدة في الآونة الأخيرة، التي هجرت ولاتزال أبناء الريف تدريجيا مكرهين، فكيف يمكن أن ننتظر من الرأسمال الخاص، الذي هو في أصل جبان كما يقال في عالم الإقتصاد، أن يستثمر بإقليم يتطلب دخوله فقط المرور عبر سبع “باراجات” أمنية، وبالأحرى إذا راودته فكرة إحداث مشروع استثماري، فكم من “باراج” بيروقراطي سيفكر أن يمر به قبل ذلك؟!، وهذا طبعا من بين الأسباب الرئيسية التي هجرت الرأسمال الريفي خصوصا عن مسقط رأسه، حيث نجده بجل المدن الكبرى، إلا الحسيمة والناظور، إضافة إلى أسباب أخرى سنعود إليها في مقال أخر.
المستنتج من الوضع الأمني الذي يعيش إقليم الحسيمة، هو أن الماسكين بزمام الأمور بالرباط، ينظرون إلى الريف بعين خاصة، معتقدين بذلك أن هذه المقاربات الأمنية، ستكون ناجعة لضبط منطقة كالريف، الذي عرف عبر التاريخ بإمكانية انتفاضته في أي وقت وفي وجه أيا كان، لكن الحقيقة عكس ذلك تماما، فمثل هذه المقاربات لا يمكن إلا أن تعطي للمواطن بالريف الصورة، على أنه مازال ينظر إليه كمتمرد محتمل، وأن الريف يعتبر كمنطقة ليس كباقي المناطق بالمغرب باستثناء الصحراء، بل وتغذي استمرارية العلاقة المتشنجة عبر التاريخي، التي تربط بين ريف الهامش ومغرب المركز.






























